753

فأخبرني أيها الحكيم من أي عقل تعد عقلك أولا؟ هل ترضى أن يقال لك: " تساوت الأقدام في العقول، حتى يكون عقلك بالفعل والاستفادة، كعقل غيرك بالقوة والاستعداد، بل واستعداد عقلك لقبول المعقولات كاستعداد عقل غبي غوي لا يرد عليه برادة ولا ينفك الخيال عن عقله، كما لا ينفك الحس عن خياله.

وإذا كانت الأقدام متساوية فما هذا الترتيب في الأقسام؟ وإذا ثبت ترتبا في العقول فبالضرورة أن ترتقي في الصعود إلى درجة الاستقلال والإفادة، وتنزل في الهبوط إلى درجة الاستعداد والاستفادة.

الوجه التاسع: قالت الصابئة: إذا أبطلتم تساوي العقول والنفوس بإثبات الترتيب والتضاد، فقد لزم الاتباع، فأخبرونا ما رتبة الأنبياء بالنسبة إلى نوع الإنسان؟ وما رتبتهم بالنسبة إلى الملك والجن وسائر الموجودات؟

ثم ما مرتبة النبي (صلى الله عليه وآله) عند الباري سبحانه؟ فإن عندنا الروحانيات أعلى مرتبة من جميع الموجودات، وهم المقربون في الحضرة الإلهية، والمكرمون لديه. ونراكم تارة تقولون: " إن النبي (صلى الله عليه وآله) متعلم من الروحاني " ونراكم تارة تقولون: " إن الروحاني يتعلم من النبي (صلى الله عليه وآله) "؟

أجابت الحنفاء: بأن الكلام في المراتب صعب، ومن لم يصل إلى رتبة؛ كيف يمكنه أن يستوفي الكلام في أقسامها، لكنا نعرف أن رتبة النبي (صلى الله عليه وآله) بالنسبة إلينا كرتبتنا بالنسبة إلى من هو دوننا في الجنس - كالحيوانات - وكما أنا نعرف أسامي الموجودات ولا يعرفها الحيوانات، كذلك هم يعرفون حقائق الأشياء ووجوه المصالح في الحركات، وحدودها وأقسامها، ونحن لا نعرفها.

وكما أن النوع الإنساني يستخدم الحيوانات ويملكها بالتسخير، فالأنبياء ملوك الناس بالتدبير، وكما أن حركات الناس معجزات الحيوان، كذلك حركات الأنبياء (عليهم السلام) معجزات الناس، فالحيوانات لا يمكنها أن تبلغ إلى الحركات الفكرية حتى تميز الحق من الباطل، ولا الحركات القولية حتى تميز الصدق من الكذب، ولا الحركات الفعلية حتى تميز الخير من الشر.

فكذلك قياس حركات الأنبياء (عليهم السلام)، لأن منتهى فكرهم لا غاية له، وحركات أفكارهم في محال القدس مما تعجز عنها قوة البشر حتى يسلم: " لهم مع الله وقت لا يسعهم فيه ملك مقرب ولا نبي مرسل ".

وكذلك حركاتهم القولية والفعلية، لا تبلغ إلى غاية انتظامها وجريانها على سبق الفطرة حركة كل البشر، وهم في الرتبة العلياء والدرجة الأولى من درجات الموجودات كلها، قد أحاطوا علما بما أطلعهم الرب تعالى على ذلك دون غيرهم من الملائكة والروحانيين، ففي الأول يكون حالهم حال المتعلم

علمه شديد القوى

[النجم:5]. وفي الآخر حالهم حال التعليم، وذلك في حق آدم (عليه السلام):

Unknown page