713

وهذا هو العلم المكنون الذي لا يسطر في الكتب، ويعين على التنبه له التعلم ومشاهدة أحوال علماء الآخرة في أول الأمر، وتعين عليه في الآخرة المجاهد[ة] والرياضة، وتصفية القلب وتفريغه عن علائق الدنيا، والتشبه بأنبياء الله عليهم السلام وأوليائه، - رضي الله عنهم - ليتضح لكل ساع بقدر رزقه - لا بقدر جهده -، لكن لا غناء فيه عن الاجتهاد، فالمجاهدة مفتاح الهداية.

وأما العلوم التي لا يحمد منها إلا مقدار مخصوص، فهي التي أوردت في فروض الكفايات، فكن أحد رجلين: إما مشغولا بنفسك، وإما متفرغا إلى غيرك بعد الفراغ من نفسك، وإياك أن تشتغل بما تصلح به غيرك قبل إصلاح نفسك، فإن كنت المشغول بنفسك، فلا تشتغل إلا بالعلم الذي هو فرض عينك.

وإنما الأهم الذي أهمله الكل؛ علم صفات القلب ، وما يحمد منها وما يذم، والاشتغال بمداواته، وإهمال ذلك مع الاشتغال بالأعمال الظاهرة، يضاهي الاشتغال بطلاء ظاهر البدن عند التأذي بالجرب والدماميل، والتهاون باخراج المادة بالفصد والإسهال، وحشوية العلماء يشيرون بالأعمال الظاهرة، كما يشير الطرقية من الأطباء بطلاء ظاهر البدن، وعلماء الآخرة لا يشيرون إلا بتطهير الباطن، وقطع مواد الشر بإفساد منابتها وقطع مغارسها، وهي في القلب.

وإنما فرغ الأكثرون إلى الأعمال الظاهرة عن تطهير القلوب، لسهولة أعمال الجوارح، واستصعاب أعمال القلوب؛ فإن كنت مريدا للآخرة وطالبا للنجاة، فاشتغل بعلم العلل الباطنة وعلاجها، ثم ينجز بك ذلك إلى المقامات المحمودة، فلا تشتغل بالفروض الكفايات - لا سيما وفي الخلق من قام به -، فإن مهلك نفسه في طلب صلاح غيره سفيه، فما أشد حماقة من دخلت الأفاعي والعقارب داخل ثيابه، وهمت بقتله، وهو يطلب مذبة يدفع بها الذباب عن غيره ممن لا يغنيه ولا ينجيه بما يلاقيه من تلك الأفاعي والحيات والعقارب اذ هممن بقلته؟! " -

[2.32]

لما علموا قصورهم عن معرفة الأسماء وحقائق ما هي خارجة عن مقامهم ونشأتهم، اعترفوا بالعجز، وأقروا بالقصور.

[علوم الملائكة، وفضل الإنسان عليهم]

واعلم أن العلوم بعضها فطرية، وبعضها كسبية، وبعضها موهبية. والعلوم الفطرية؛ كعلم الشيء بذاته، وصفاته اللازمة لذاته، وبأفعاله الناشئة عن ذاته، وبفاعله من الجهة التي هي وجهه الخاص إليه، وبه. والعلمان الآخران لا يخلو كل منهما من سعي العبد في تحصيله واجتهاده في ابتغاء ذلك، سواء كان بالفكر، كما في طريقة النظار، أو بالتصفية للباطن والتطهير له عن الشوائب العادية، كما في طريقة أولي الأبصار.

وعلوم الملائكة من قبيل القسم الأول، لعدم إمكان التغير والاستحالة من طور إلى طور فيهم، ولا لها كمال منتظر، ولا تجدد أحوال ولا تهيؤ واستعداد من جانب القابل المتبدل، ولا حيثية كمالية إلا ما حصلت لهم من جهة المبدع الفاعل؛ وإليه الإشارة بقوله [تعالى]: { لا علم لنآ إلا ما علمتنآ }.

والمقصود أن علوم الملائكة منحصرة فيما يكون حصولها لهم بحسب الفطرة الأولى، من أوائل علومهم الحاصلة من الأسباب الفاعلية من غير مداخلة قابل، أو تعمل، أو اكتساب، أو استعمال للقوة القابلية - إما بالحدس أو بالروية -، وإلا فجميع العلوم ليست إلا بتعليم الله من غير اختصاص لعلومهم بذلك.

Unknown page