Tafsīr Ṣadr al-Mutaʾallihīn
تفسير صدر المتألهين
[الرعد:2]. الذي هو الإمام، فانظر ما أحكم كلام الله تعالى حيث جاء بلفظ مطابق للحال الذي ينبغي أن يكن الأمر عليه.
فجاء إسم الرب فرتب لهم الحدود، ووضع لهم المراسم لإصلاح المملكة، وليبلوهم أيهم أحسن عملا، وجعل الله ذلك قسمين: قسم يسمى سياسة حكمية ألقاها في فطر نفوس الأكابر من الناس، بحسب ما تدركه عقولهم وآراؤهم، فحدوا حدودا، ووضعوا نواميس رسمية بحسب ما يقتضيه صلاح كل إقليم وكل زمان، وانحفظت بذلك أموال الناس ودماؤهم وأهلوهم وأرحامهم وأنسابهم، وسموها نواميس.
وقسم يسمى شريعة إلهية، يجيء بها الوحي الإلهي إلى من اصطفاه الله وارتضاه من خلقه، ولم يكن قبل هذا الوحي يعلم أحد بأن الله فرض على عباده أمورا مقربة إلى الله، تورث جنة وحريرا، وأخرى مبعدة منه، تورث نارا وزمهريرا، ولا علموا قبلهم أن ثمة آخرة وبعثا محسوسا بعد الموت في أجساد طبيعية، ودارا فيها أكل وشرب ولباس ونكاح، ودارا فيها عذاب وآلام.
ثم بعث الله رسولا بعد رسول، ولم يخل الأرض عن خليفة هو مظهر الإسم الله، إذ به تنتظم أمور الخلق بماله من الجمعية الإلهية والعدالة الحقيقية، التي يرجع بها إليه كل الخلائق في حوائجهم وانتظام أمورهم ومعايشهم، كما في الإسم " الله " من المقام الجمعي الإلهي، الذي ترجع إليه الأسماء كلها، فهذا سر الخلافة وتعليم الأسماء في الإنسان الكامل، وعدم استحقاق غيره لهما.
مثال ذلك في العالم الصغير الإنساني:
أولا ترى أن كل قوة من القوى، إذا تفردت بخاص فعلها، فهي محجوبة بنفسها عن غيرها، لا ترى أفضل من ذاتها - كالملائكة التي نازعت في آدم -، كالعقل والوهم والخيال والحس، فإن كلا منها يدعي السلطنة على هذا العالم الصغير الإنساني، ولا يذعن ولا ينقاد لغيره.
إذ العقل يدعي أنه محيط بالكليات، مدرك لجميع الحقائق والماهيات على ما هي عليه بحسب القوة النظرية. وليس كذلك؛ ولهذا احتجب أرباب العقول عن الحق وصفاته، وسر المعاد، وحشر الأجساد، لتقليدهم عقولهم، وغاية عرفانهم، العلم الإجمالي بأن لهم موجدا ربا منزها عن الصفات الكونية، ولا يعلمون من الحقائق إلا لوازمها وخواصها.
وأرباب التحقيق وأهل الطريق، علموا ذلك مجملا، وشاهدوا تجلياته وظهوراته مفصلا، فاهتدوا بنوره، وسروا في الحقائق سريان تجليه فيها: وكشفوا عنها وخواصها ولوازمها كشفا لا تمازجه شبهة، وعلموا الحقائق علما لا تطرء عليه ريبة، فهم عباد الرحمن الذين يمشون في أرض الحقائق هونا، وأرباب النظر عباد عقولهم لا يقبلون إلا ما أعطته عقولهم.
وكذا الوهم، يدعي السلطنة ويكذب العقل في كل ما هو خارج عن طور إدراكه للمعاني الجزئية دون الكلية، وكذا غيرهما من المدارك الجزئية، وكذا القوى التحريكية - كالشهوة والغضب عند هيجانهما وتغاليبهما -.
وأما القلب المنور بنور المحبة والعشق، فهو الذي يدرك بحقيقته كل شيء بأمر ربها لا يرى فيها عوجا ولا أمتا، وذلك لكون حقيقته متصفة بجميع الكمالات، جامعة لحقائقها الموجودة قبل وجوده، حتى كان يمر عند تنزلاته عليها، فيتصف بمعانيها طورا بعد طور من أطوار الروحانيات والسماويات والعنصريات. إلى أن يظهر في صورته النوعية الحسية النازلة عليه من الحضرات الأسمائية، ما لا بد أن يمر على هذه الوسائط أيضا، إلى أن يصل إليه ويكمله.
Unknown page