Tafsīr Ṣadr al-Mutaʾallihīn
تفسير صدر المتألهين
بيان ذلك: أن لكل حقيقة نوعية - كالإنسان والفرس والغنم والبقر والرطب الحنطة والشعير والياقوت واللعل والفيروزج والأرض والماء والهواء - جوهرا عقليا نوريا عاقلا لذاته، ومعقولا لذاته، موجودا في العالم الأعلى الإلهي، حاضرا في علم الله والحضرة الإلهية. فهذه العقول المفارقة والصور المجردة العلمية، هي بالحقيقة أسماء الله أو أسماء أسمائه، وهي موجودة أزلا وأبدا، لأن ما عند الله باق لا يزول؛ وليست من جملة العالم لتتصف بالحدوث والتجدد، والزال والدثور. والبرهان على وجودها مذكور في كتبنا العقلية.
وتقريره: أن الباري - جل ذكره - كما أنه فاعل كل شيء - إما بوسط أو بغير وسط -، فهو غاية كل شيء، بوسط أو بغير وسط، لأنه خير محض لا شرية فيه أصلا، وكل ما هو خير محض، يطلبه كل شيء طبعا وإرادة، وهذا مركوز في جميع الجبلات والغرائز، فكل موجود سافل إذا تصور الوجود العالي، فلا محالة يطلبه ويشتاقه طبعا جبليا أو اختياريا اضطراريا، وهذا الطلب والشوق، لو لم يكن له غاية حقيقية، لكان ارتكازه في الجبلية عبثا معطلا - ولا معطل في الوجود، والله بريء عن فعل العبث -.
فلكل سافل إمكان الوصول إلى العالي، وهذا الإمكان إما ذاتي أو استعدادي، ففي الإبداعيات، إذا وجد الإمكان الذاتي، حصل المقصود لعدم المانع والقاسر، وفي المكونات، إذا حصل الاستعداد وزال المانع فكذلك.
ثم المانع الغير الزائل، لا يكون إلا بحسب الأمر الأقلي النادر، لأن الخارج عن الطبيعة النوعية للشيء، أو عن لوازمها الذاتية، يكون أمرا عارضا إتفاقيا، والأسباب الإتفاقية لا تدوم - كما ثبت في موضعه -، وكلامنا فيما تقتضيه طبيعة كل نوع بحسب ذاته، وقد ثبت أن ذلك إما لازم الوقوع، أو أكثري الوقوع؛ فالطبائع الكلية كلها من حيث ذواتها واصلة إلى كمالاتها، وكذا كل طبيعة جزئية في حركاتها وتشوقاتها إلى ما هو أعلى منها.
ثم الغاية في طبيعة جزئية أن كانت طبيعية جزئية أخرى، فلا بد بالآخرة أن تصل إلى طبيعة عقلية - وإلا لتسلسل الأمر إلى غير نهاية -، والغاية في طبيعة عقلية طبيعة عقلية فوقها، ولا بد في الكل أن تكون موصلة إلى غاية الغايات ومنتهى الخيرات، - وهو الباري جلت أسمائه - دفعا للدور والتسلسل.
فإذا تقرر هذا فنقول: إن لكل طبيعة حسية - سواء كانت فلكية أو عنصرية - طبيعة أخرى عقلية في العالم الإلهي هي كمالها وغايتها وتأكد وجودها، وهي الصور المفارقة الإلهية منها، لأنها صور ما في علم الله، وحقائق ما عند الله الباقية ببقاء الله؛ وكأنها هي التي سماها أفلاطون وشيعته بالمثل الإلهية.
وهي حقائق متأصلة، نسبتها إلى هذه الصور الحسيات الداثرات نسبة الأصل إلى المثال، والشخص إلى الظل؛ وإنما هي أصول هذه الأشباح الكائنة المتجددة، لأنها حقيقتها وفاعلها وغايتها وصورتها العقلية المعقولة بالفعل لبارئها دائما؛ وأما هذه فهي ناقصة غير خالية عن القوة والإمكان، سائلة زائلة بحسب وجودها الكوني، لكنها في وجودها الكوني التجددي، سالكة مشتاقة إليها، عائدة محشورة إلى ذلك العالم.
وأما تلك الصور العقليات، والمثل النوريات، والعلوم الإلهيات، فهي أبدا ملحقة بفاعلها وغايتها، ملاحظة لجمال بارئها ومبدعها، لم ترجع إلى ذواتها طرفة عين، إذ لا ذات لها منفكة عن ذات مبدعها، إذ الامكان هناك لا يفارق الفعلية، والقصور لا يباين التمام، فهي أبدا مستهلكة الذوات في ذات حبيبها الأول، لا فرق بينها وبين حبيبها كما ورد في الخبر القدسي، ولا مجال لها في الأنانية والغيرية.
وأما إبليس وجنوده، فليسوا منها ولا من حزبها، وإلا لما وقع من هؤلاء الإباء والأنانية.
فإذا انكشف هذا، فقد وضح وتبين سر قوله تعالى: { ثم عرضهم على الملائكة } - بضمير جمع ذوي العقول -، فإن هذه الصور المفارقة - كما ثبت - أسماء إلهية وعقلاء ربانية، وجودهم فوق وجود الملائكة السماوية، وللإنسان الكامل الذي هو مظهر الأسماء كلها، أن يتصل بعد سلوكه إلى الله بقدم العبودية - لا الأنانية - وعبوره على المراتب والمنازل الأرضية والسماوية، وأن يطلع على تلك الحقائق، ويتخلق بأخلاق خلاق الخلائق - وذلك هو الفوز العظيم والمن الجسيم -.
Unknown page