664

إشراق كمالي

[لزوم وجود الخليفة]

اعلم أنه لما اقتضى حكم السلطنة الواجبة للذات الأزلية والصفات العلية بسط مملكة الألوهية، ونشر لواء الربوبية، بإظهار الخلائق وتحقيق الحقائق، وتسخير الأشياء وإمضاء الأمور، وتدبير الممالك وإمداد الدهور، وحفظ مراتب الوجود ورفع مناصب الشهود؛ وكانت مباشرة هذا الأمر من الذات القديمة بغير واسطة بعيدا جدا، - لبعد المناسبة بين عزة القدم وذلة الحدوث -، حكم الحكيم سبحانه بتخليف نائب ينوب عنه في التصرف والولاية، والحفظ والرعاية.

وله وجه إلى القدم يستمد به من الحق سبحانه، ووجه إلى الحدوث يمد به الخلق، فجعل على صورة خليفة يخلف عنه في التصرف، وخلع عليه جميع أسمائه وصفاته.

ومكنه في مسند الخلافة بإلقاء مقادير الأمور إليه، وإحالة حكم الجمهور عليه، وتنفيذ تصرفاته في خزائن ملكه وملكوته، وتسخير الخلائق لحكمه وجبروته، وسماه انسانا، لإمكان وقوع الانس بينه وبين الخلق برابطة الجنسية، وواسطة الأنسية، وجعل له بحكم اسمه: " الظاهر والباطن " حقيقة باطنة، وصورة ظاهرة، ليتمكن بهما من التصرف في الملك والملكوت.

فحقيقته الباطنة هي الروح الأعظم، وهو الأمر الذي يستحق به الإنسان الخلافة، والنفس الكلية وزيره وترجمانه، والطبيعة الكلية عامله ورئيسه، والعملة - من القوى الطبيعية وكذلك إلى آخر الروحانيات - جنوده وخدمه.

وأما صورته الظاهرة: فصورة العالم من العرش إلى الفرش، وما بينهما من البسائط والمركبات.

فهذا هو الإنسان الكبير المشير إليه قول المحققين: " إن العالم إنسان كبير ". وأما قولهم: " الإنسان عالم كبير " ، أرادوا به أنواع البشر، وهو خليفة الله في أرضه، كما أشير إليه في هذه الآية. وأما خليفة الله في السماء والأرض، وهو الإنسان الكبير، والإنسان البشري نسخة منتخبة من الإنسان الكبير الإلهي، ونسبته إليه نسبة الولد الصغير من الوالد الكبير، فله أيضا حقيقة باطنية وصورة ظاهرة.

أما حقيقته الباطنة: فالروح الجزئي المنفوخ فيه من الروح الأعظم، والعقل الجزئي، والنفس والطبيعة الجزئيتان.

وأما صورته الظاهرة: فنسخة منتخبة من صورة العالم، فيها من كل جزء من أجزاء العالم لطيفها وكثيفها قسط ونصيب، فسبحانه من صانع جمع الكل في واحد كما قيل:

Unknown page