639

فصل

إعلم أن في هذه الآية إشارات وتنبيهات إلى أسرار عقلية:

أحدها: إن في إسناد الإماتات والإحياءات إلى الله، إشارة لطيفة إلى أن هذه التحولات والانتقالات، أمور طبيعية صادرة بتسخير الله تعالى جوهرا شأنه هذه التقليبات والتحريكات؛ لا أنها أمور اتفاقية صادرة بأسباب اتفاقية، أو أن المؤثر في الحياة والموت طبائع الأفلاك والكواكب أو الأمزجة والأركان، - كما هو قول أهل الطباع والدهرية - على ما حكى الله عنهم بقوله:

ما هي إلا حياتنا الدنيا نموت ونحيا وما يهلكنآ إلا الدهر

[الجاثية:24]. ولا أن الإنسان من بدو ولادته إلى أوان موته، على جوهر واحد وهوية واحدة، من غير تحول وارتحال - كما زعمه الناس -.

وثانيها: إن الآية دالة على أن الموت طبيعي لكل أحد، وان معناه ومنشأه ليس كما فهمه الأطباء والطبيعيون، من أنه أمر يعرض أولا للبدن من جهة نفوذ قوته الطبيعية، وزوال حرارته الغريزية، ثم بواسطته ينقطع تعلق النفس عنه، وما ذكروه ليس بمعتمد عليه ولا هو بحق.

بل الحق أن الموت الطبيعي عبارة عن تمام توجه النفس من هذه النشأة إلى عالم الآخرة بالذات، وإعراضها عن البدن، فيطرأ عليه الهلاك لأجل ذلك الإعراض بالعرض، فزوال الحرارة، وبطلان قوة الحس والحركة عن البدن، مسبب عن توجه النفس حركة جبلية إلى ما عند الله، لا أن الأمر بالعكس - كما هو المشهور -.

قال بعض المحققين من أهل الكشف والعرفان: اعلم أن القوى التي في الإنسان وفي كل حيوان من قوى الحس والحركة وغيرها - كالخيال والحفظ والمصورة كلها المنسوبة إلى سائر الأجسام علوا وسفلا - إنما هي للروح، تكون بوجوده وإعطائه الحياة لذلك الجسم، وينعدم فيه ما ينعدم بتوليه عن ذلك الجسم من ذلك الوجه الذي يكون عنه تلك القوة الخاصة - فافهم.

فإذا أعرض الروح عن الجسم بالكلية، زال بزواله جميع القوى والحياة، وهو المعبر عنه بالموت، كظلام الليل بمغيب الشمس.

وأما النوم، فليس بإعراض كلي، وإنما هو حجب أبخرة تحول بين القوى وبين مدركاته الحسية مع وجود الحياة في النائم، كالشمس إذا حالت السحب بينها وبين موضع خاص من الأرض، يكون الضوء موجودا كالحياة، وإن لم يقع إدراك الشمس لذلك الموضع، فكما أن الشمس إذا فارقت هذا الموضع من الأرض وجاء الليل بدلا منه ظهر في موضع آخر بنوره أضاء به ذلك الموضع، كذلك الروح إذا أعرض عن هذا الجسم الذي كان حياته به تجلى على صورة من الصور الذي هو البرزخ، وهو بالصاد جمع " صورة " ، فحييت به تلك الصورة في البرزخ، كما قال النبي (صلى الله عليه وآله) في نسمة المؤمن:

Unknown page