555

وإن الثانيين وجهاها؛ بأن ثمار الجنة إذا جنيت من أشجارها عاد مكانها مثلها، فيشتبه الأمر عليهم فيقولون: هذا الذي رزقنا من قبل، كما روى أنه - عليه وآله السلام - قال

" والذي نفس محمد بيده، إن الرجل من أهل الجنة ليتناول الثمرة ليأكلها، فما هي واصلة إلى فيه حتى يبدل الله مكانها مثلها ".

وأسد القولين قول ابن عباس وابن مسعود - وهو أن المرزوق السابق من أرزاق الدنيا - بوجهين:

أحدهما: ما نقل عن شيخ الطائفة الإمامية أبي جعفر - رحمه الله - أنه قال طباقا لغيره من علماء التفسير، إن قوله: " كلما رزقوا منه " عام يتناول جميع المرات، فيتناول المرة الأولى، فهم في المرة الأولى من أرزاق الجنة لا بد وأن يقولوا: { هذا الذي رزقنا من قبل } ، ولا يتأتى لهم هذا القول في أول ما أوتوا به، إلا أن يكون إشارة إلى ما تقدم رزقه في الدنيا.

وثانيهما: إن الإنسان بالمألوف آنس، وإلى المعهود أميل، فإذا رأى ما لم يألفه نفر عن طبعه، ثم إذا ظفر بشيء من نوع معهوده ومألوفه على وجه أشرف وأبهى مما ألفه، عظم ابتهاجه وسروره، فأهل الجنة إذا أبصروا ما ألفوه في الدنيا ثم وجدوه أشرف وأبهى، كان فرحهم به أشد وأعظم.

ثم القائلون: بالقول الثاني اختلفوا، فمنهم من يقول: الاشتباه يقع في المنظر والمطعم وغيرهما، ومنهم من يقول: الاشتباه وإن حصل في اللون لكنها تكون مختلفة في الطعم، كما حكي عن الحسن: إن أحدهم يؤتى بالصحفة فيأكل منها، ثم يؤتى بأخرى فيراها مثل الأولى، فيقول الملك " كل - فاللون واحد والطعم مختلف ".

هداية:

واعلم إن في تحقيق الآية طريقين آخرين، أحدهما مسكل الحكماء ذوي الإعتبار، والثاني مسلك أهل الكشف والاستبصار.

فمعناها على لسان الحكمة، أن السعادة القصوى ليس إلا في معرفة ذات الله عز وجل، ومعرفة صفاته، ومعرفة أفعاله من الملائكة الكروبية والروحانية، وطبقات الأرواح وعالم ملكوت السموات والأرض؛ وبالجملة، بحيث يصير روح العارف كمرآة مجلوة يحاذي بها لعالم القدس.

ثم إن هذه المعارف تحصل في الدنيا، ولا يحصل بها كمال الالتذاذ والابتهاج، لكون العلائق البدنية عائقة عن ظهور تلك السعادة واللذة، فإذا زالت هذه العوائق، حصلت السعادة الكبرى والغبطة العظمى، لأن المعرفة انقلبت مشاهدة، والعلم صار عيانا.

Unknown page