Tafsīr Ṣadr al-Mutaʾallihīn
تفسير صدر المتألهين
فالأول؛ مثال العالم العامل بعلمه، والثاني؛ مثال الجاهل المقلد المقتدي بغيره في العلم والعمل، والثالث؛ الجاهل الناقص في العمل، والرابع؛ العالم المقصر في العمل، والخامس؛ الجاهل الناسك بمقتضى جهله هذا، إذا كان الجهل بسيطا والسير حركة في الظاهر.
وأما إذا كان الجهل مركبا والسير حركة باطنية، فهو قسم سادس، هو أسوء الجميع، وهما جميعا ما شكى عنهما النبي (صلى الله عليه وآله) في قوله:
" قصم ظهري رجلان عالم متهتك وجاهل متنسك "
كما مر ذكره.
واعلم أن القول ببطلان الاستحقاق العقلي ، وعدم الارتباط الذاتي بين الأشياء، وتمكين الإرادة الجزافية في الاعتقاد، كما زعمته الأشاعرة، واختاره هذا الفاضل المفسر في كتبه التي رأيناها، مما يؤدي إلى خلل عظيم في أركان الدين، وتزلزل في أكثر قوانين اليقين - بل كلها -.
لأن مبنى جميع البراهين في اثبات الأصول الإيمانية، والقواعد اليقينية، على إثبات العلة والمعلول، ولا أدري العاقل كيف يرضى عن نفسه القول بما ينهدم به أصل جميع أحكام العقل! ولعل مشايخ السلف، إنما ارتكبوا هذا المذهب حسما لمادة البحث مع الجهال، وغلقا لباب المقال مع من لا يزيده التعمق في وجوه الاستدلال على هذه المسائل إلا الغي والضلال.
وأما نحن، فبفضل الله وتوفيقه، وقد ورثنا من علمائنا وسادتنا وأئمتنا أهل بيت النبوة والولاية - سلام الله عليهم أجمعين -، من أنوار الهداية واليقين، ما يفي لانقشاع سحب هذه الظلمات عن شمس الحقيقة، وانجلاء حجب هذه الأوهام عن وجه البصيرة.
واعلم أن القول: " بأن الآتي بالايمان والعمل الصالح [فله الجنة] " مما له وجه وجيه - لو علم قائله بمعنى هذا القول -، وذلك لأن الإيمان الحقيقي عبارة [عن] اعتقاد يقيني حاصل بالبرهان، وكل اعتقاد يقيني حاصل بالبرهان، فهو غير قابل للزوال - كما تحقق في العلوم الحقيقية، من أن مقتضى البرهان الدائم، المؤلف من المقدمات الضرورية الدائمية، لا يزول ولا يتغير دنيا وآخره -، فالإيمان بالأركان نور عقلي يوجب أن تخرج به النفس الإنسانية من الظلمات إلى النور، ومن حد القوة إلى الفعل، ويدخل من دار الغرور وضنك القبور إلى دار النعيم والسرور.
فعلى هذا يمكن تأويل ما ذكره ذلك القائل - في جواب الاعتراض عليه في باب من أتى بالإيمان والطاعة ثم كفر -، من قوله: " هذا ممتنع، لأن فعل الإيمان والطاعة يوجب استحقاق الثواب الدائم، وفعل الكفر يوجب استحقاق العقاب الدائم، والجمع بينهما محال " إلى الذي ذكرناه وبيناه.
ولكن الذي يظهر من الوجوه الثلاثة الذي ذكرها في بيان استحالة الاجتماع بينهما، يدل على أنه محجوب عن حقيقة هذا الأمر بمراحل، لكونه سالكا مسلك أهل الجدال وأرباب القيل والقال.
Unknown page