Tafsīr Ṣadr al-Mutaʾallihīn
تفسير صدر المتألهين
ففي الأول، حيث وقع الأمر لهم بأن يستظهروا بالجمادات في معارضة [القرآن] غاية التهكم بها والتبكيت؛ وفي الثاني، إشعار بأن شهداءهم لما كانوا فرسان الفصاحة، تأبى عليهم طباعهم السليمة الرضا بالشهادة الكاذبة لأولئك المدعين.
وأما الثاني: ففيه أيضا معنيان:
أحدهما: ادعوا للإتيان بسورة منه كل من حضركم، أو تصورتم معونته من إنسكم وجنكم وأعوانكم وأنصاركم وآلهتكم غير الله، فإنه لا يقدر أحد مما سوى الله أن يأتي بمثله.
وثانيهما: ادعوا من دون الله شهداء يشهدون لكم بأن ما أتيتم على مثله، ولا تستشهدوا بالله، فإن من ديدن المبهوت العاجز وهجيره أن يقول: " الله يشهد أني لصادق " ، وهذا تعجيز لهم، وبيان لانقطاعهم عن البحث إلا بمثل هذا القول.
مسئلة:
اعلم أن هذا التحدي يبطل مذهب الجبر - كما ذكره القاضي - لأنه مبني على تعذر مثله ممن يصح وقوع الفعل منه، فمن ينفي كون العبد فاعلا أصلا، لم يمكنه إثبات التحدي أصلا، ويلزم منه إبطال الاستدلال بالمعجزات، لأن تعذر وقوعها عن الغير يكون لفقد القدرة، ويستوي في ذلك ما يكون معجزا وما لا يكون.
وأيضا، فإذا كانت الأفعال كلها من الله، فكل ما ينسب إلى العبد من التحدي يرجع في التحقيق إلى أن الله متحد لنفسه، وهو قادر على الإتيان بمثله من غير شك، فيجب أن لا يثبت الإعجاز على هذا القول.
وأيضا ، إن الرسول (صلى الله عليه وآله) كان يحتج بأن الله قد خصه بالقرآن تصديقا له في دعوى الرسالة، فلو لم يكن من قبله تعالى، لم يكن داخلا في الإعجاز، وعلى القول (بالجبر)، لم يبق فرق بين المعتاد وغيره، لأن الكل لا يكون إلا من عند الله.
هذا هو المذكور في هذا المقام، وهو حجة قوية الإلزام، وأجاب عنه صاحب الكبير بقوله: " إن المطلوب من التحدي [إما] أن يأتي الخصم بالمتحدى به قصدا، أو أن يقع ذلك منه إتفاقا؛ والثاني باطل، لأن الإتفاقيات لا تكون في وسعه، وعلى الأول، إتيانه بالمتحدى به موقوف على أن يحصل في قلبه قصد إليه، فذاك القصد إن كان منه لزم التسلسل - وهو محال -، وإن كان من الله، فحينئذ يعود الجبر، ويلزمه كل ما أورده علينا، فيبطل كل ما ذكره.
وأقول - ومن الله الهداية والعصمة -: إن هذا النحرير بطول عمره في البحث والتحرير، لم يفرق بعد بين ما هو مذهب الأشعري وأتباعه، وما هو مذهب القائلين بالعلة والمعلول، و " أن الشيء ما لم يجب لم يوجد " ، و " أن ترجيح أحد المتساويين محال إلا لداع " ، و " أن الممكن من حيث إمكانه يستحيل وجوده وعدمه إلا بسبب ".
Unknown page