Tafsīr Ṣadr al-Mutaʾallihīn
تفسير صدر المتألهين
" بني الإسلام على خمس "
لأن الواجب هذه الخمس، فيجب العلم بكيفية العمل فيها ".
قال بعض العلماء: الذي ينبغي أن يقطع المحصل ولا يستريب فيه العاقل، هو أن العلم ينقسم إلى علم معاملة وعلم مكاشفة، وليس المراد بهذا العلم إذا عم وجوبه إلا علم المعاملة، فهي التي كلف العبد العاقل البالغ إياها.
وهي على ثلاثة أقسام: اعتقاد، وقول، وفعل، فإذا بلغ الرجل العاقل الاحتلام والسن أول نهار مثلا، فأول واجب عليه تعلم كلمتي الشهادة وفهم معناها، وليس يجب عليه كشف ذلك لنفسه بالنظر والبحث وتحرير الأدلة، ويكفيه أن يصدق به ويعتقد جزما من غير اختلاج وريب واضطراب نفس، وذلك قد يحصل بمجرد التقليد والسماع من غير بحث وبرهان؛ إذ اكتفى رسول الله (صلى الله عليه وآله) من أجلاف العرب بالتصديق والإقرار من غير تعلم دليل، فإذا فعل ذلك، فقد أدى واجب وقته وفرض عينه في المعرفة.
ثم يجب عليه العلم بكيفية ما يجب عليه ويحرم في كل وقت، كالصلاة وهي حاضر الوقت، والصيام وهو ممكن التراخي إلى سنة، والزكاة، والحج، والجهاد، وكل منها يمكن أن لا يجب على العبد في مدة عمره، فلا يجب عليه العلم بكيفيتها وجوبا عينيا؛ وأما الاعتقادات وأعمال القلوب، فيجب علمها عليه بحسب الخواطر والسوانح.
وما ذكره الصوفية من فهم خواطر العدو ولمة الملك فهو أيضا [يجب] ولكن في حق من يتصدى له، وإذا كان الغالب أن الإنسان لا ينفك عن أمراض القلب ودواعي الشر - من الحسد والرئاء وهواجس الشيطان ووساوس الهوى - فيلزمه أن يتعلم ما يرى نفسه محتاجا إليه، وكيف لا يجب وقد قال (صلى الله عليه وآله ):
" ثلاث مهلكات: شح مطاع، وهوى متبع، وإعجاب المرء بنفسه "
، ولا ينفك عنها بشر، فإزالتها فرض عين، ولا يمكن إلا بمعرفة حدها وأسبابها وعلاماتها، ومعرفة معالجتها، وما لا يتم الواجب إلا به فهو واجب، فالعلم بجميع ما ذكرناه من فروض الأعيان، وقد تركه كافة الناس اشتغالا بما لا يعني.
ومما ينبغي أيضا أن يبادر إليه: الإيمان بالجنة والنار، والحشر والنشر، حتى يؤمن ويصدق به، وهو ممن يتمم كلمتي الشهادة، فإنه بعد التصديق بكونه رسولا، ينبغي أن يفهم الرسالة التي هو مبلغها، وهو أن من أطاع الله فله الجنة، ومن عصاه فله النار؛ وإذا تنبهت لهذا التدريج، علمت أن المذهب الحق هو هذا، فإذن تبين أنه المراد بالعلم المعرف باللام في الحديث المذكور " - انتهى كلامه.
ثم ذكر بيان العلم الذي هو فرض كفاية؛ فقسم أولا العلوم إلى الشرعية وغير الشرعية، وجعل كلا منهما منقسما إلى ما هو فرض كفاية، وإلى ما هو فضيلة وليس بفرض، وجعل الفقه من الأولى، والطب من الثانية من فروض الكفايات، وجعل كلا منهما مندرجا تحت علوم الدنيا، وجعل الفقهاء كالأطباء من علماء الدنيا، واستدل على ذلك ببيانات صحيحة واضحة حيث قال:
Unknown page