410

إن الحكم بدخول الكفار تحت الأمر بالعبادة فيه إشكال، وهو أن كون الإنسان عابدا متوقف على كونه مؤمنا، فالتكليف بالعبادة للكفار متوقف على كونهم مأمورين بالإيمان، لأن عبادة من لا يعرف ممتنعة، وذلك ممتنع، والموقوف على الممتنع ممتنع أيضا، فكونهم مأمورين بالعبادة ممتنع. أما وجه امتناع الأول، فلأن الأمر بمعرفة الله لهم، إما حال كفرهم وجهلهم، أو حال عرفانهم؛ فالأول يوجب التناقض، والثاني تحصيل الحاصل - وكلاهما محالان.

أما وجه امتناع الثاني، فهو ظاهر، لتحقق الملازمة بينهما.

وأيضا، يستحيل أن يكون هذا الخطاب مع المؤمنين لأنهم يعبدون الله، فأمرهم بالعبادة تحصيل الحاصل.

والجواب: إن مراتب الإيمان مختلفة متفاوتة كمراتب العبادة، وأقلها ما هو حاصل لكل أحد بالفطرة الأولى التي فطر الناس عليها، وذلك يكفي لتوجه الخطاب وورود التكليف وقيام الحجة، فالأمر التكليفي بالعبادة متوجه إلى الكفار مشروطا بتقديم المعرفة المستأنفة، كاشتراط الصلاة للمحدث بتقديم الطهارة، واشتراط أداء الدين للمديون بالسعي إليه، فكما أن الطهارة والسعي واجبان على من وجب عليه الصلاة محدثا، وأداء الدين ساكنا، فكذا الكافر، يصح أن تجب عليه العبادة بهذا التكليف، وشرط الإتيان بها الإيمان أولا، ثم الإتيان بها.

وكذا هذا الأمر متوجه إلى المؤمنين بفعل الزيادة لها، والاستمرار فيها، والمواظبة عليها، والاجتهاد في استخراج أدلتها، والتوسل بها إلى زيادة المعرفة والقرب، ومعلوم أن كل ذلك عبادة.

المسئلة الثالثة

إن لمنكر التكاليف وجوها من الشبه، ها نحن نذكرها مع الإشارة إلى الجواب عنها:

الأولى: إن التكليف (إما أن يتوجه) حال استواء دواعي العبد إلى الفعل والترك، أو حال رجحان دواعي أحدهما؟ فعلى الأول، يستحيل وقوع المأمور به، والتكليف غير واقع ولا جائز عند الأكثر، لأن الممكن ما لم يترجح وجوده لم يقع، إذ من تجويز الترجيح من غير مرجح ينسد اثبات الصانع، وعلى الثاني، فالمرجوح ممتنع الوقوع، وإلا لزم ترجيح المرجوح، فالراجح واجب الوقوع، فالتكليف بالراجح تكليف بايجاد ما يجب وقوعه، وبالمرجوح بما يمتنع وقوعه، وكلاهما مستحيلان.

والثانية: أن المكلف به، إن علم الله في الأزل وقوعه، فخلاف معلومه محال، فلا فائدة في ورود الأمر، وإن علم لا وقوعه، فالتكليف به تكليف بالمحال، وكلاهما عبث وسفه، والله منزه عنهما، وإن لم يعلم - لا هذا ولا ذاك - فهو قول بالجهل في حقه، فهو باطل.

والثالثة: إن ورود الأمر بالتكليف إما لفائدة، أو لا لفائدة؛ فإن كان الأول، فهي عائدة إلى المعبود، أو إلى العابد؛ والأول محال، لأنه كامل الذات بذاته لا بغيره؛ وإن كان الثاني، فهي إما عاجلة أو آجلة؛ والأول باطل، لأن التكاليف كلها مشاق وآلام في الدنيا؛ والثاني عبث، لأن جميع الفوائد محصورة في دفع الألم وحصول اللذة، والله قادر على تحصيلهما للعبد ابتداء من غير توسيط العبادة والمشقة، فيكون توسيطها عبثا، وهو ممتنع على الحكيم؛ وكذلك حكم الشق الثاني.

Unknown page