Tafsīr Ṣadr al-Mutaʾallihīn
تفسير صدر المتألهين
[البقرة:286]. فأضاف خيرنا وشرنا إلينا. وقال:
فألهمها فجورها وتقواها
[الشمس:8]. فله الإلهام وقد خلق العمل.
فهذه مسألة لا يتخلص فيها توحيد أصلا، لا من جهة الكشف ولا من جهة الخبر، فالأمر الصحيح من ذلك، انه مربوط بين حق وخلق، غير مخلص لأحد الجانبين، فإنه على ما يكون من النسب الإلهية أن يكون الحق عين الوجود الذي استفادته الممكنات، فما ثم إلا وجود عين الحق، والتغيرات الظاهرة في هذه العين، أحكام أعيان الممكنات، فلولا العين ما ظهر الحكم، ولولا الممكن ما ظهر التغيير، فلا بد في الأفعال من حق وخلق ". انتهى كلامه.
أقول: ليس مراده " قدس سره " من قوله: " فلهذا قلنا فيه رائحة اشتراك " انه يعتقد أن فاعل أفاعيل العباد مركب من أمرين: حق وخلق، وكذا قوله: " فهذه مسألة لا يتخلص فيها توحيد أصلا " الى قوله: " غير مخلص لأحد الجانبين " ، ليس المراد ما توهمه ظاهر العبارة، وكذا ما ورد في أحاديث أئمتنا الأطهار (عليهم السلام) " إنه أمر بين أمرين " ليس المعنى ما توهمه المحجوبون: أن الفعل واقع بين الرب والعبد غير مخلص لأحدهما، كيف وهذا شرك محض، وظلم عظم يخالف البرهان والكشف والنقل عن أئمتنا (عليهم السلام)، بل مقصوده " قدس سره " مما ذكره، ومرادهم (عليهم السلام)، من قولهم بأنه أمر بين أمرين: ان الأفعال كلها مخلوقة لله تعالى من غير اشتراك أصلا؛ وكذا الفعل الصادر عن العبد، هو بعينه صادر عن الحق من غير اشتراك، بل لأن وجود العبد بعينه شأن من شؤون الله، وقد ذكرنا فيما مر أن للفعل نسبة الى الفاعل المزاول، وله بعينه نسبة الى الفاعل المفارق، والذمائم والنقائص في الأفعال، راجعة الى نسبة المزاول لا نسبة المفارق، والمذكور ها هنا أدق وأعلى في التحقيق، وأغمض وأدق في المسلك، لا يفهمه إلا ذو بصيرة ثاقبة، وكشف تام، ويد باسطة في الغيب.
فالفعل، من حيث هو واقع بقدرة العبد، واقع بعينه بقدرة الله بلا اشتراك، تعالى الله عنه علوا كبيرا، وهذا هو مراده " قدس سره " من الاشتراك لا غير، حاشاه عن ذاك وسائر الأولياء الموحدين، ناهيك به قوله: فإنه أعلى ما يكون من النسب الإلهية أن يكون الحق هو عين الوجود الذي استفادته الممكنات، ثم قال: وفي مذهب بعض العامة، أن العبد محل ظهور أفعال الله وموضع جريانها، فلا يشهدها الحس إلا من الأكوان ولا يشهدها ببصيرتهم إلا من الله من وراء حجاب، هذا الذي ظهرت على يدي المريد لها، المختار فيها، فهو لها يكتسب باختياره.
وهذا هو مذهب الأشاعرة.
ومذهب بعض العامة؛ أن الفعل للعبد حقيقة، ومع هذا فربط الفعل عندهم بين الحق والخلق لا يزول، وإن هؤلاء يقولون: القدرة الحادثة في العبد التي يكون بها هذا الفعل من الفاعل، أن الله خلق له القدرة عليها، فما يخلص الفعل للعبد إلا بما خلق الله فيه من القدرة عليه، فما زال الاشتراك، وهذا مذهب أهل الاعتزال، فهؤلاء ثلاثة: أصحابنا والأشاعرة والمعتزلة ما زال منهم وقوع الاشتراك، وهكذا أيضا حكم مثبتي العلل، لا يتخلص لهم اثبات المعلول الذي لعلته التي هي معلولة لعلة اخرى فوقها الى أن تنتهي الى الحق في ذلك الذي هو عندهم علة العلل، فلولا علة العلل، ما كان معلول عن علة، إذ كل علة دونه معلولة، والاشتراك ما ارتفع على مذهب هؤلاء وما عدا هؤلاء الأصناف من الطبيعيين والدهريين، فغاية ما يؤل اليه أمرهم، أن الذي نقول نحن فيه إنه الإله، يقول الدهرية: إنه الدهر، والطبيعية إنه الطبيعة، وهم لا يخلصون الفعل الظاهر منا دون أن يضيفوا الى الدهر أو الطبيعة، فما زال وجود الاشتراك في كل نحلة ومذهب، وما ثم عقل يدل على خلاف هذا، ولا خبر إلهي في شريعة يخلص الفعل من جميع الجهات الى أحد الجانبين فلنقره كما أقره الله على علم الله فيه، وما ثم الا كشف وعقل وشرع، وهذه الثلاثة ما خلصت ولا تخلص أبدا دنيا وآخرة جزاء بما كنتم تعملون، فالأمر في نفسه - والله أعلم - ما هو إلا كما وقع ما يقع فيه تخليص، لأنه في نفسه غير مخلص، إذ لو كان في نفسه ملخصا لا بد أن كان يظهر على بعض الطوائف، ولا يتمكن لنا أن نقول: الكل على خطأ. فإن في الكل الشرائع الإلهية، ونسبة الخطأ اليها محال، وما يخبر الأشياء على ما هي عليه الا الله، وقد أخبر، فما الأمر إلا كما أخبر، فاتفق الحق والعالم في هذه المسألة على الاشتراك، فهذا هو الشرك الخفي والجلي وموضع الحيرة، انتهى كلامه.
أقول: حاشا الجناب الإلهي عن الشرك في الأفعال، كما حاشاه عن الشرك في الذات والصفات، بل الأمر ما قررناه وذكرناه مرارا، وما نقله من اولئك الطوائف، فصادق أن فيها دلالة على الاشتراك، لكن قوله: " فما زال وجود الاشتراك في كل نحلة ومذهب وما ثم عقل يدل على خلاف هذا ولا خبر إلهي في شريعة " الى آخره، غير موجه بظاهره ولا مسلم، فها هنا مذهب أولياء الله الموحدين، الذين لم يروا في الوجود إلا الله وأسماءه وأفعاله. وأما الخبر الإلهي، وهو المشار اليه في مثل قوله:
لها ما كسبت وعليها ما اكتسبت
Unknown page