Tafsīr Ṣadr al-Mutaʾallihīn
تفسير صدر المتألهين
فقد ثبت وتحقق بهذا البيان والبرهان، أن اطلاق الشياطين على المنافقين، بالحقيقة واليقين، لا بالمجاز والتخمين، لأن مدار نفاقهم على المكر وايهام الحق، وترويج الباطل، والتشبه بأهل الإيمان والعلم، وادعاء الصلاح، فقد صارت بواطنهم، بكثرة أعمالهم الشيطانية الوهمية، انقلبت الى حقيقة الشياطين بالفعل، وخرجت عن القوة والاستعداد لها ولغيرها، وتمني الرجوع منهم الى اصل الفطرة كما في قولهم:
ربنآ أبصرنا وسمعنا فارجعنا نعمل صالحا
[السجدة:12] تمني امر مستحيل الوقوع، فلأجل ذلك قال تعالى: { وإذا خلوا إلى شياطينهم } ، إذ المراد بهم أكابر المنافقين، والراسخون في الكفر والنفاق، وهؤلاء المترددون اليهم تارة والى المؤمنين أخرى من الأصاغر.
فصل
قوله: " إنا معكم " ، أي في الضمير وعقيدته، وقد خاطبوا المؤمنين بالجملة الفعلية، وخاطبوا الشياطين بالجملة الإسمية المؤكدة " بإن " لأنهم قصدوا بالأولى إحداث الإيمان، وبالثانية تحقيق ثباتهم على ما كانوا عليه، ولأن أنفسهم لا تساعدهم على أن يكون ما خاطبوا به المؤمنين جديرا بكونه أقوى الكلامين؛ لركونهم الى أهل البطالة والشهوة؛ وكراهتهم بالطبع عن لقاء الله وأهله والقول الصادر عن الكراهة والنفاق. قلما تحصل معه المبالغة، فادعوا عندهم حدوث الإيمان لإكمال تحققه، بخلاف ما صدر عنهم عند إخوانهم، لعلمهم أيضا بأن ادعاء الكمال في الإيمان، لا يروج على المؤمنين.
وأما كلامهم مع إخوانهم في إنكار الشريعة، فعلموا انه مقبول عندهم بأي وجه كان من التأكيد، فأكدوا القول فيه.
قوله جل اسمه: إنما نحن مستهزئون
كأنه جواب عن سؤال الشياطين بأن قالوا إنا معكم: إن صح ذلك منكم، فما بالكم تترددون الى المؤمنين وتوافقونهم في الكلام، وتدعون الإسلام؟
فأجابوا بأنا مستهزئون بهم . أو تأكيد لما قبله؛ لأن المستهزئ بالشيء مصر على خلافه. أو بدل منه، لأن من حقر شيئا فقد عظم نقيضه.
والاستهزاء: هو السخرية والاستخفاف يقال: هزأت واستهزأت بمعنى واحد، كأحببت واستجبت. وأصله الخفة، من الهزء. وهو القتل السريع يقال هزأ فلان إذا مات على مكانه، وناقته تهزأته أي تسرع وتخف.
Unknown page