Tafsīr Ṣadr al-Mutaʾallihīn
تفسير صدر المتألهين
الثالث: أن يراد ما تداخل قلوبهم من الضعف والجبن والخوف لأن قلوبهم كانت قوية، إما لقوة طمعهم فيما كانوا يتحدثون به ان ريح الإسلام تهب حينا ثم تسكن، ولواءه يخفق أياما ثم يقر، فضعفت حين ملكها اليأس عند إنزال الله على رسوله النصر، وإظهار دينه الحق على الدين كله. وإما لجرأتهم وجسارتهم في الحرب فضعفت جبنا، حين قذف في قلوبهم الرعب، وشاهدوا شوكة المسلمين وامد الله لهم بالملائكة.
ومعنى الزيادة: أنه كلما زاد الله رسوله نصرة وتبسطا في البلاد، ازدادوا حسدا وبغضا، وازدادت قلوبهم ضعفا ويأسا عما طمعوا فيه ، وجبنا وخورا، وأن يحمل المرض على تغير مزاج القلب وتألمه، وذلك لأن الإنسان إذا صار مبتلى بالحسد والنفاق ومشاهدة المكروه، فإذا دام به ذلك؛ فربما صار ذلك سببا لتغير مزاج قلبه ومرضه، قالوا: وحمل اللفظ على هذا الوجه حمل له على حقيقته، فكان أولى من سائر الوجوه.
فصل فيه حكمة عرشية
[اللذة والألم]
قوله: { ولهم عذاب أليم } ، قال صاحب الكشاف: يقال: ألم فهو اليم، كوجع فهو وجيع، وهذا على طريقة قولهم، جد جده، والألم في الحقيقة للمؤلم، كما أن الجد للجاد.
أقول: إن المؤلم بالحقيقة، هو الألم الحاصل في القلب دون السبب الخارجي، كما ان صورة اللذة الحاصلة في النفس عند إدراك الملائم النفسي أو البدني، هي الملذة بالحقيقة، لا ما خرج عن التصور، وليس الملذ والمؤذي بالحقيقة إلا المرتسم في القلب، - أعني النفس - لا الموجود في الخارج، وكلما ارتسمت في النفس صورة العذاب أو مقابلها يفعل فعلها وإن لم يكن سبب من خارج، فإن السبب الذاتي هو هذا المرتسم، والخارج سبب بالعرض، أو سبب السبب، فالأول: كما في اليقظة، فإن الصور الملذة أو المؤذية المرتسمة في النفس تبتدئ من الصور المادية الخارجية، وقد ثبت في العلوم الحقيقية، أن تأثيرها على سبيل الاتفاق والإعداد، وانها أسباب بالعرض، والثاني: كما في النوم، فإن الصور الملذة أو المكرهة قد تبتدئ من داخل باطن النفس إليها حتى تنتهي الى مشهد الحس المشترك، فتدركها النفس، وقد لا تكون كذلك، بل تنتقل صور مخزونات النفس بعضها الى بعض، فإذا ابتدأت من داخل النفس، فيكون سبب ارتسامها من عالم الغيب، والأسباب الموجودة في عالم الغيب سببيتها تكون ذاتية، فيكون الملذ والمؤذي في النوم أو ما يجري مجراه كالموت والبرزخ، هي الصورة المرتسمة في النفس، وسبب ارتسامها ملذ ومؤلم بالواسطة.
فصل
[في قوله تعالى: بما كانوا يكذبون]
قوله: { بما كانوا يكذبون } ، صريح في أن عذابهم الأليم معلل بكذبهم، على قراءة عاصم وحمزة والكسائي، وذلك يقتضي أن يكون كل كذب قبيحا حراما.
وفيه رمز آخر الى قبحه، حيث علل به استحقاق العذاب، وترتب عليه دون الكفر مع وجوده، ونحوه قوله تعالى:
Unknown page