841

وبالجملة: كلما بالغ نوح عليه السلام في دعوتهم بالغوا في الإصرار والعناد، وبعدما اضطر { قال نوح رب إنهم عصوني } في جميع ما أمرتهم به، وانصرفوا عني وعن دعوتي، واستهزءوا معي { واتبعوا من لم يزده ماله وولده إلا خسارا } [نوح: 21] أي: اتبعوا سادتهم ورؤساءهم المعروفين، المشهورين بكثرة الأموال والأولاد الموجبة للثروة والجاهة عند الناس، وإن كان أموالهم وأولادهم لم يزدهم إلا خسارا وبوارا في النشأة الأخرى.

{ و } بالجملة: { مكروا } لهم أولئك المكارون { مكرا كبارا } [نوح: 22] بلغ غاية كبره، ونهاية شدته في التلبيس والتغرير.

وذلك احتيالهم على الناس إلى حيث لم يقبلوا دعوة نوح عليه السلام، مع كونه مؤيدا بأنواع المعجزات، بل سفهوه، واستهزءوا متمسرخين مستهزئين { وقالوا } لهم في نصحهم وتذكيرهم: { لا تذرن آلهتكم } أي: عبادتها، سيما بقول هذا السفيه المختبط، المختل الرأي والعقل { ولا تذرن } خصوصا { ودا ولا سواعا ولا يغوث ويعوق ونسرا } [نوح: 23] فإنها غرانيق عظام ترتجى منها الشفاعة على عصاة العباد، فعليكم ألا تتركوا عبادة آلهتكم بقول هذا الطريد السفيه.

{ و } بالجملة: { قد أضلوا كثيرا } من الناس بتزويراتهم الباطلة، وتغريراتهم الكاملة الشاملة لأهل الخبرة والضلال { و } بالجملة: { لا تزد الظالمين } يا رب { إلا ضلالا } [نوح: 24] فوق ضلال، وإصرارا غب إصرار.

ثم قال سبحانه بعدما بالغ نوح عليه السلام في التضرع والمناجاة: { مما خطيئاتهم } أي: من أجل وفور خطيئاتهم وكثرتها { أغرقوا } بالطوفان أولا { فأدخلوا نارا } نوعا من عذاب النار عقيب عذاب الطوفان في البرزخ { فلم يجدوا لهم } حين طغيانن الماء وطوافه عليهم { من دون الله } القادر المقتدر على دفع المضار { أنصارا } [نوح: 25] شفعاء من الأصنام كما زعموا، فلم ينصرهم الله فهلكوا بالغرق.

{ و } بعدما آيس عن إيمان قومه، وقنط عن فلاحهم وصلاحهم أخذ في الدعاء عليهم، حيث { قال نوح رب } يا من رباني على فطرة الهداية والرشاد { لا تذر على الأرض } التي إنما وضعت؛ للعبادة والطاعة { من الكافرين } المصرين على الكفر والعناد والإلحاد عن السداد { ديارا } [نوح: 26] أحدا يدور عليها.

{ إنك } يا ذا الحكمة المتقنة البالغة { إن تذرهم } على الأرض على ما كانوا { يضلوا عبادك } المؤمنين بك، المصدقين بفردانيتك ووحدانيتك { ولا يلدوا } ولا يتناسلوا { إلا فاجرا } خارجا عن مقتضى الحدود الإلهية الموضوعة؛ لحفظ العدالة { كفارا } [نوح: 27] ستارا للحق بترويج الباطل عليه، إنما دعا عليهم بهذا بعدما جربهم ألف سنة إلا خمسين سنة، فعرف منهم جميع خصائلهم المذمومة.

ثم ناجى ربه لنفسه ولوالديه، ولمن اهتدى بهدايته وإرشاده فقال: { رب } يا من رباني بمقتضى كرمك وجودك لحكمة معرفتك وتوحيدك { اغفر لي } بفضلك وإحسانك { ولوالدي } - اسم أبيه: لمك بن متوشلخ، واسم أمه: شمخا بنت أنوش - وكانا مؤمنين موحدين { و } اغفر أيضا بفضلك { لمن دخل بيتي } سفينتي وحرزي، أو ديني ومذهبي { مؤمنا } موقنا بإرشادي وتكميلي { وللمؤمنين والمؤمنات } من الأمم السابقة واللاحقة إلى يوم القيامة { ولا تزد الظالمين } الخارجين عن عروة عبوديتك، وربقة رقيتك { إلا تبارا } [نوح: 28] إهلاكا وخسارا، عذابا وبوارا.

ونحن ندعو أيضا على الكافرين المصرين بكفرهم وشركهم، الظاهرين على أهل التوحيد بأنواع الجدال والمراء بما دعا به نوح عليه السلام ونرجو أيضا أن نكون من الناجين ببركة دعائه، ودعاء نبينا صلى الله عليه وسلم.

خاتمة السورة

Unknown page