Tafsīr al-Jīlānī
تفسير الجيلاني
قال سبحانه على سبيل التوبيخ والتقريع للمكذبين بها والمنكرين عليها: { كذبت ثمود وعاد بالقارعة } [الحاقة: 4] أي: بالحاقة التي يقرع الأسماع سماع أهوالها، ويدهش العقول ذكر أفزاعها.
{ فأما ثمود فأهلكوا بالطاغية } [الحاقة: 5] أي: بسبب طغيانهم بالتكذيب المتجاوز عن الحد، أهلكوا بصيحة هائلة مجاوزة عن حد الصياح.
{ وأما عاد فأهلكوا بريح صرصر } باردة في غاية البرودة { عاتية } [الحاقة: 6] شديدة العصف، بحيث لا يقدرون على دفعها وردها أصلا.
حين { سخرها } وسلطها { عليهم } سبحانه بمقتضى قهره وانتقامه { سبع ليال وثمانية أيام حسوما } متتابعات مترادفات، قاطعات قالعات { فترى } أيها المعتبر الرائي { القوم فيها } أي: في تلك الأيام والليالي { صرعى } هلكى { كأنهم أعجاز نخل خاوية } [الحاقة: 7] ساقطة عن أصولها، لا جوف لها.
{ فهل ترى لهم } أي: ما ترى لهم بعد تلك الأيام { من باقية } [الحاقة : 8] أي: لم يبق منهم نفس لها حياة بعد تلك الواقعة الهائلة.
{ و } بعد انقراض هؤلاء الغواة الطغاة، الهالكين في تيه الجهل والعناد { جآء فرعون } الطاغي المجاوز عن الحد والبغي والعدوان { ومن قبله } ويقدم عليه من الأمم الباغية، أو من معه من ملئه وأشرافه - على القراءتين - { و } جاء أيضا { المؤتفكات } هي قرى قوم لوط عليه السلام؛ والمراد: من فيها كلهم جاءوا { بالخاطئة } [الحاقة: 9] المعهودة التي هي إنكارهم بيوم الحاقة الحقة على وجه المبالغة.
وبعدما جاء الرسل إليهم بالوحي { فعصوا رسول ربهم } أي: عصى كل أمة برسولها المبعوث إليهم؛ ليديهم إلى طريق الرشاد، فكذبوه واستهزءوا معه، وبالغوا في تكذيبه وعصيانه سبحانه { فأخذهم } سبحانه { أخذة رابية } [الحاقة: 10] زائدة شديدة على مقتضى ما ازدادوا في العصيان والتكذيب.
اذكر يا أكمل الرسل شدة أخذنا إياهم { إنا لما طغا المآء } بعدما أمرناه بالطغيان في يوم الطوفان { حملناكم } أي: آباءكم الذين آمنوا بنوح عليه السلام، وأنتم في أصلابهم { في الجارية } [الحاقة: 11] أي: السفينة التي صنعها نوح بتعليمنا إياه قبل الطوفان بمدة، وأغرقنا الكفرة بأجمعهم إلى حيث لم يبق على الأرض سوى أصحاب السفينة أحد من البشر.
وإنما حملناكم عليها وأنجيناكم بها { لنجعلها } أي: هذه الفعلة الجميلة التي هي نجاة المؤمنين من الطوفان العظيم { لكم } أيها المستخلفون المكفلون { تذكرة } عظة وعبرة، وتبصرة دالة على كمال قدرة الصانع الحكيم، ومتانة حكمته { وتعيهآ } أي: تستحضر بها وتحفظها؛ أي: هذه التذكرة والتبصرة الكاملة { أذن واعية } [الحاقة: 12] حافظة للعبر والتذاكير المورثة للقلوب الصافية الخائفة خيرا كثيرا، ونفعا كبيرا.
وبعدما بالغ سبحانه في وصف القيامة، وشرح أهوالها وأحوالها، وذكر حال من كذب بها، ومآل أمره، أراد أن يشرح ما ظهر فيها من الأمور الهائلة والوقائع العظيمة عند قيامها ، فقال: { فإذا نفخ في الصور نفخة واحدة } [الحاقة: 13] وهي النفخة الأولى التي عندها خراب العالم.
Unknown page