767

وكيف لا تعتبران، ولا تشركان نعمه، مع أنه { يخرج } حسب عنايته الآزلية { منهما } أي: من البحرين المذكورين { اللؤلؤ والمرجان } [الرحمن: 22] أي: يخرج لكما أيها الثقلان المجبولان على فطرة الإيمان، من امتزاج البحرين المذكورين، لآلئ المعارف والحقائق، ومرجان الشهود والإيقان؟!

{ فبأي آلاء ربكما تكذبان } [الرحمن: 23] أيها الممنونان المغموران، المستغرقان في موائد كرمه.

{ وله } سبحانه تفضلا على عباده وامتنانا لهم { الجوار } أي: سفن الملل والأديان المنزلة من عنده سبحانه على عموم الرسل والأنبياء ليرشدوا بها أممهم إلى طريق التوحيد والعرفان { المنشئات } المصنوعات المستحدثات { في البحر } أي: بحر الوجود { كالأعلام } [الرحمن: 24] أي: كالرواسي العظام التي يعلم ويشار بها للتائهين في بيداتء الوجود، الضالين في صحراء الجحود، إلى جادة اليقين والعيان.

{ فبأي آلاء ربكما تكذبان } [الرحمن: 25] أيها المكلفان.

وبالجلمة: { كل من عليها } أي: على أرض القوابل والهيولى من التعينات المستتبعة لأنواع الإضافات، الحاصلة من تموجت بحر الوجود وتجلياته بمقتضى الكرم والجود، إنما هو { فان } [الرحمن: 26] لا وجود، ولا تحقق لها في ذواتها أصلا، سوى أنها انبسط عليها أظلال الأسماء والصفات الإلهية.

{ و } بعد فناء نقوش الأمواج والأظلال بأسرها { يبقى وجه ربك } يا أكمل الرسل بمقتضى صرافة وحدته، مستغنيا في ذاته عن عموم مظاهره ومخلوقاته؛ إذ هو سبحانه { ذو الجلال والإكرام } [الرحمن: 27] لا يشارك في وجوده، ولا ينازع في سلطانه، فمآل الكل إليه، كما أن مبدأه منه، يفعل ما يشاء، ويحكم ما يريد.

وإذ كان شأنه سبحانه هذا { فبأي آلاء ربكما تكذبان } [الرحمن: 28] أيها الأضلال الهلكى.

وبالجملة: { يسأله } ويستمد منه في كل زمان وآن، ويستظل تحت ظل جود وجوده كل { من في السموت والأرض } من فواعل المظاهر وقوابلها؛ إذ { كل يوم } وآن { هو } سبحانه { في شأن } الرحمن: 29] لا يسبقه شأن، ولا يلحقه شأن مثله، فكل من المظاهر الإلهية في كل آن وطرفة في خلع صورة، ولبس أخرى حسب شئون الحق، وسرعة نفوذ قضائه.

{ فبأي آلاء ربكما تكذبان } [الرحمن: 30] ايها المجبولان على فطرة الدراية والشعور.

ثم لما عد سبحانه على عموم المكلفين نبذا من نعمه العظام، على سبيل التنبيه والامتنان، أراد ، يشير إليه، ويبينه عليهم بالقيام على أداء حقوقها، ومواظبة شكرها؛ لئلا يغفلوا من الله، ولا يستحيوا عند الحساب في يوم الحشر والجزاء، فقال: { سنفرغ لكم } نتجرد ونخلو لحسابكم، وتنقيد أعمالكم وجزائكم على مقتضاها { أيه الثقلان } [الرحمن: 31] المثقلان بشكر نعمنا، وأداء حقوق كرمنا، ومتى سألناكما عن أعمالكما.

Unknown page