Tafsīr al-Jīlānī
تفسير الجيلاني
ثم فصلوا ما أجملوا على سبيل التعجب والإنكار، فقالوا مستفهمين، ومستفيدين فيما بينهم، مستعيذين: { أءذا متنا } أي: أنرجع ونعود أحياء كما كنا إذا متنا { وكنا ترابا } وهباء منبثا { ذلك } العود والرجوع { رجع بعيد } [ق: 3] عن الوقوع وقبول العقول.
ثم قال سبحانه ردعا لهم وردا عليهم: وكيف تستبعدون وتنكرون عنا قدرتنا على بعث الموتى وإعادتهم أحياء كما كانوا؟! مع أنا { قد علمنا } على التفصيل والتحقيق { ما تنقص } تأكل وتضمحل { الأرض منهم } أي: من أجزائهم وأوصالهم، وكيف لا نعلم { وعندنا كتاب حفيظ } [ق: 4] حاصر لتفاصيل الأشياء، حافظ لها، ألا وهو حضرة علمنا الحضوري ولوح قضائنا.
{ بل } هو من غاية عمههم وسكرتهم، وكمال غيرهم وغفلتهم { كذبوا بالحق } الصدق المطابق للواقع، المؤيد بالبرهان الساطع والدليل القاطع، وهو نبوة محمد صلى الله عليه وسلم { لما جآءهم } وحين بعث إليهم على الحق؛ لتبيين الحق وتمييزه عن الباطل؛ لذلك أنكروا البعث الذي جاء لتبيينه وللإنذار بما فيه من أنواع العقاب والعقوبات، وبالجملة: { فهم } بمقتضى أحلامهم السخيفة مغمورون { في أمر مريج } [ق: 5] مضطرب، مخلوط، يلتبس عليهم حقيته صلى الله عليه وسلم وحقية ما جاء به من عند ربه؛ لذلك يضطربون في شأنه ويقولون تارة: إنه شاعر، وتارة: إنه ساحر وكاهن، وتارة: إنه مجنون مخبط، مختل العقل، يتكلم بكلام المجانين، إلى غير ذلك من المفتريات الباطلة.
{ أفلم ينظروا } ولم يتفكروا حين أنكروا الحشر والبعث { إلى السمآء } المطبقة المعقلة { فوقهم كيف بنيناها } ورفعناها بلا أعمدة وأساطين { وزيناها } بالكواكب المتفاوتة في الإضاءة والتنوير { وما لها من فروج } [ق: 6] نتوء وفتوق، بل خلقناها ملساء متوازية السطوح متلاصقة الطباق.
{ و } لم ينظروا أيضا { الأرض } ولم يدبروا فيها كيف { مددناها } أي: مهدناها وبسطناها بكمال قدرتنا وحكمتنا { وألقينا فيها } وعليها { رواسي } جبالا ثوابت شامخات { وأنبتنا فيها من كل زوج } صنف من النبات { بهيج } [ق: 7] حسن كريم، تبهج بها عيون الناظرين وتسر قلوبهم.
وإنما خلقنا ما خلقنا من العجائب والغرائب؛ ليكون { تبصرة وذكرى } أي: عظة وعبرة دالة على كمال قدرتنا ومتانة حكمتنا وحكمنا { لكل عبد منيب } [ق: 8] راجع إلينا، متوجه نحونا بكمال التبتل والتفويض؛ ليتبصروا ويتذكروا بها كمال اقتدارنا واختيارنا في خلق عموم المرادات والمقدورات، ومن جملتها حشر الأموات، وبعثهم من قبورهم أحياء.
{ و } كيف يسع لأولئك الحمقى إنكار قدرتنا على الإعادة مع أنا { نزلنا من السمآء مآء مبركا } كثير الخير والبركة { فأنبتنا به } بعد تنزله على الأرض اليابسة الميتة { جنت } أي: حدائق ذات بهجة وبهاء ونزاهة وصفاء { و } لا سيما { حب الحصيد } [ق: 9] من البر والشعير وسائر الحبوب المحصودة للتقوت والتعيش.
{ و } أنبتنا به خصوصا { النخل } وجعلناها { باسقات } طوال محتملات { لها طلع } ثم ذو عنقود { نضيد } [ق: 10] منضود منضد بعضه فوق بعض من كمال كثرته.
وإنما أنبتا ما أنبتنا؛ ليكون { رزقا للعباد } يرتزقون بها ويشكرون منعهما ومبدعها { و } بالجملة: { أحيينا به } أي: بالماء المنزل من السماء { بلدة ميتا } يابسة جدبة، لا كلأ فيها ولا نماء { كذلك الخروج } [ق: 11] أي: خروجهم من قبورهم أحياء بقدرتنا مثل ذلك، فمن أين ينكرون ويستبعدون أولئك الحمقى الجاهلون بقدرة العليم الحكيم؟!
وليس هذا التكذيب والإنكار ببدع من هؤلاء المكذبين المنكرين يا أكمل الرسل، بل قد { كذبت قبلهم } مثل تكذيبهم وإنكارهم { قوم نوح } أخاك نوحا عليه السلام حين بعث إليهم وأنذرهم، ونهاهم عما هم عليه من الكفر والجحود والخروج عن مقتضى الحدود { و } كذا { أصحاب الرس } وهو بئر كانوا يسكنون حوله أخاك حنظلة بن صفوان عليه السلام { و } كذب { ثمود } [ق: 12] أخاك صالحا عليه السلام، فعقروا الناقة المقترحة.
Unknown page