Tafsīr al-Jīlānī
تفسير الجيلاني
{ و } بالجملة: { لهم فيها من كل الثمرات } المستلزمة لأنواع اللذات الروحانية، وأكبر من الكل أن لهم فيها { ومغفرة } ستر ومحو لأنانياتهم الباطلة ناشئة { من ربهم } الذي رباهم على الكرامة من عنده بعدما جذبهم تحت قباب عزه، ومكنهم من كنف جواره، هؤلاء المكرمون بهذه الكرامة العظمى { كمن هو خالد في النار } أي: كالكافر الطاغي الباغي، الذي خرج عن ربقة العبودية بمتابعة الأهوية الأمارة وأمانيها، وظهر على الحق وأهله بأنواع الإنكار والاستكبار، وبسبب هذا صار مخلدا في نار القطيعة، مؤبدا فيها لا نجاة له عنها { و } هم من شدة عطشهم وحرقة أكبادهم إذا استسقوا { سقوا مآء حميما } حارا في غاية الحرارة { فقطع أمعآءهم } [محمد: 15] بعدما شربوا منه؛ وذلك لعدم الفهم واعتيادهم بالعلم اللدني وبرد اليقين العلمي والعيني والحقي.
{ ومنهم } أي: من المستوجبين بخلود النار أبد الآباد { من يستمع إليك } يا أكمل الرسل حين دعوتك وتذكرك وجلسوا في مجلسك صامتين محبوسين { حتى إذا خرجوا من عندك } وانصرفوا عن مجلسك { قالوا } من كمال غفلتهم وذهولهم عنك وعن كلامك وكمالاتك وعدم إدراكهم بما فيها وإصغائهم إليها { للذين أوتوا العلم } أي: أصحابك المتذكرين عن كلامك، الموفقين على التصديق والإذعان بك وبكتابك: { ماذا قال } أي: أي شيء قال صاحبكم { آنفا } في هذا المجلس؟ مع أنهم معهم { أولئك } الأشقياء البعداء عن ساحة عز القبول هم { الذين طبع الله على قلوبهم } وختم على سمعهم وأبصارهم { و } لهذا { اتبعوا أهوآءهم } [محمد: 16] وتركوا إهداءه صلى الله عليه وسلم ولم يقتبسوا النور من مشكاة النبوة، ولم يلتفتوا إلى هداية القرآن، بل استهزءوا معه ومع الرسول صلى الله عليه وسلم.
{ و } المؤمنون { الذين اهتدوا } بهدايته صلى الله عليه وسلم { زادهم } استماع القرآن { هدى } على هدى { وآتاهم تقواهم } [محمد: 17] وبين لهم ما يعنيهم على سلوك طريق التوحيد ويجنبهم عما يغويهم عن منهج الحق وصراط التحقيق.
وبالجملة: { فهل ينظرون } وماينتظرون في عموم أوقاتهم وحالاتهم { إلا الساعة } الموعودة أن { تأتيهم بغتة } فجأة، وكيف لا تأتيهم الساعة { فقد جآء } وظهر { أشراطها } أي: بعض علاماتها وأماراتها التي من جملتها: بعثة الرسول الحضرة الختمية المحمدية؛ إذ ظهوره متمما لمكارم الأخلاق، ومكملا لأمر التشريع والإرشاد من دلائل انقضاء نشأة الكثرة، وطلوع شمس الوحدة الذاتية من آفاق ذرائر الكائنات، وكيف ينتظرون الساعة ولا يهيئون أسبابها قبل حلولها، وإن تأتهم بغتة { فأنى لهم إذا جآءتهم ذكرهم } [محمد: 18] أي: كيف يفيدهم التذكر والاتعاض وقت إذ جاءت الساعة فجأة؟ ومن أين يحصل لهم التدارك والتلافي حيئنذ؟.
وبعدما سمعتم حال الساعة وحلول الساعة بغتة { فاعلم أنه لا إله إلا الله } المؤمنون } أي: فاثبت أنت يا أكمل الرسل على جادة التوحيد الذاتي، وتمكن على صراط الحق في عموم أوقاتك وحالاتك، واشهد ظهور شمس الذات على صفائح عموم الذرات، وشاهد انقهار جميع المظاهر والمجالي في وحدة ذاته، واهد جميع من تبعك من المؤمنين إلى هذا المشهد العظيم { واستغفر } في عموم أوقاتك { لذنبك } الذي صدر عنك من الالتفات إلى ما سوى الحق والعكوس والإظلال { و } استغفر أيضا { للمؤمنين والمؤمنات } إذا أنت كفيلهم وهاديهم إلى طريق التوحيد { و } بالجملة: { الله } المحيط بعموم أحوالكم ونشأتكم { يعلم } بعمله الحضوري { متقلبكم } أي: موضع تقلبكم وانقلابكم في دار الاختبار ونشأة التلون والاعتبار { ومثواكم } [محمد: 19] أي: موضع إقامتكم وتمكنكم في دار الإقامة والقرار، فعليكم أن تستعدوا لأخراكم في أولاكم وتهيئوا أسباب عقباكم في دنياكم.
[47.20-29]
{ و } من معظم زاد يوم المعاد: الجهاد مع جنود أعداء الله في الأنفس والآفاق؛ لذلك { يقول الذين آمنوا } من كمال حرصهم وشغفهم على القتال، وترويج كلمة التوحيد وإعلا دين الإسلام: { لولا } وهلا { نزلت سورة } مشتملة على الأمر بالجهاد حتى نجاهد في سبيل الله، ونبذل غاية وسعنا في ترويج دينه { فإذآ أنزلت سورة محكمة } على مقتضى ما تمناها المخلصون { وذكر فيها القتال } أي: أمر فيها على البت، واستبشر المؤمنون المخلصون بنزولها، واستعدوا لامتثالها وقبول ما فيها { رأيت } يا أكمل الرسل حينئذ المنافقين { الذين في قلوبهم مرض } راسخ وضعف مستقر مستمر { ينظرون إليك } حين تلاوتك وتبليغك إياهم ما يوحى إليك من ربك { نظر المغشي عليه من الموت } يعني: صاروا حين سمعوا الأمر القتال من كمال نفاقهم وشقاقهم كأنهم أشرفوا على الموت وظهرت عليه أماراته، وشخصت أبصارهم من أهواله جبنا من القتال وبغضا عليك { فأولى لهم } [محمد: 20] أي: قرب منهم وحاق بهم ما يكرهون ويخافون منه أولئك الأشقياء المردودون.
والأليق بحالهم في هذه الحالة: { طاعة } أي: انقياد وإطاعة { وقول معروف } قبول مستحسن عند ذوي المروءات والفتوات لو صدر عنهم لكان خيرا لهم وأليق بحالهم لو كانوا مؤمنين، وبالجملة: { فإذا عزم الأمر } أي: جد ولزم أمر القتال { فلو صدقوا الله } المطلع بما في ضمائرهم ونياتهم فيما اظهروا من الحرص والجرأة على القتال { لكان } الصدق والعزيمة { خيرا لهم } [محمد: 21] في أولاهم وأخراهم.
وإن لم يصدقوا ولم يثبتوا على ما أملوا من طلب القتال { فهل عسيتم } ويتوقع منكم أيها المسرفون الكاذبون إن { توليتم } وأعرضتم عن امتثال المأمور أن { تفسدوا في الأرض } المعدة للإصلاح والسداد { وتقطعوا } [محمد: 22] عن المؤمنين المجبولين على فطرة التوحيد والإسلام مع أنكم مجبولون أيضا عليها.
وبالجملة: { أولئك } الأشقياء المعرضون عن الهداية والرشاد، هم { الذين لعنهم الله } العليم الحكيم، وطردهم عن س احة عز حضوره { فأصمهم } بهذا عن استماع دلائل توحيده { وأعمى أبصارهم } [محمد: 23] عن مشاهدة آيات ألوهيته وربوبيته الظاهر على الأنفس والآفاق.
Unknown page