714

عليك أيها السالك المتحقق بمقام الرضا والتسليم، المنكشف بعظمة الله وكمال كبريائه وعلو شأنه وبهائه: أن تواظب وتلازم على أداء الشكر له، ملاحظا نعمه الفائضه المترادفة عليك، المتجددة آنا فآنا، بحيث تستغرق جميع أوقاتك وحالاتك بشكره سبحانه؛ إذ علامة العارف الواصل ألا رى في مملكة الوجود سواه سبحانه، ولا يتكلم إلا به ومعه وفيه وله، لا إله إلا هو، ولا نعبد إلا إياه.

[46 - سورة الأحقاف]

[46.1-5]

{ حم } [الأحقاف: 1] يامن حمل أعباء الرسالة بحولنا وقوتنا، ومال إلى جناب قدسنا بالميل الذاتي الحقيقي بعد مساعدة توفيقنا وجذب من جانبنا { تنزيل الكتاب } الذي أنزل إليك لتأييد أمرك، وضبط شرعك ودينك { من الله } المطلع لما في استعدادات عباده { العزيز } الغالب على جميع ما دخل في حيطة قدرته وإرادته { الحكيم } [الأحقاف: 2] في مطلق تدابيره الصادرة منه لضبط مصالح عباده.

ثم التفت سحبانه تهويلا وتفخيما لحكمه فقال: { ما خلقنا } وأظهرنا من كتم العدم { السموت } أي: آثار الأسماء والصفات الذاتية { والأرض } أي: عالم الاستعدادات القابلة لانعكاس أشعة أنواع الذات الفائضة عليها حسب الشئون والتطورات الجمالية والجلالية { وما بينهمآ } من الآثار المتراكمة من امتزاج الفواعل الأسمائية من الآثار الناشئة من قوابل المسميات والهيولي { إلا بالحق } أي: خلقا ملتبسا بالصدق المطابق للواقع { و } قدرنا بقاء ظهورها إلى { أجل مسمى } أي: وقت مقدر عندنا، محفوظ في خزانة حضرة علمنا ولوح قضائنا لا نطلع أحدا عليه، فإذا جاء الأجل المسمى انعدم الكل بلا تقدم وتأخر { والذين كفروا } وأنكر كمال قدرتنا واقتدارنا على إيجاد الأشياء وإعدامها وإبدائها وإعادتها { عمآ أنذروا } من أهوال يوم القيامة المعدة لانعدام الكل وانقهار الأظلال الهالكة في شروق شمس الذات { معرضون } [الأحقاف: 3] لذلك لا يترددون له، ولا يتهيئون أسبابه، ولا يستعدون لحلوله.

{ قل } لهم يا أكمل الرسل بعدما أفرطوا في الإعراض عن الله وعن توحيده وأثبتوا له شركاء ظلما وزورا، مستفهما على سبيل الإلزام والتبكيت: { أرأيتم } أي: أخبروني { ما تدعون من دون الله } وتتخذون آلهة سواه وتعتقدونهم شركاء معه في الأرض { أروني ماذا خلقوا } أي: أي: شيء أوجدوا { من الأرض } حتى اتصفوا بالخالقية واستحقوا بالمعبودية والربوبية، وأخبروني هل تنحصر شركتهم مع الله بعالم العناصر والمسببات { أم لهم شرك } أيضا { في السموت } وعالم الأسباب { ائتوني بكتاب } نازل من قبل الحق { من قبل هذآ } القرآن يؤمر فيه باتخاذ هؤلاء الهلكى آلهة سوى الله، مستحقة بالعبادة { أو أثارة } ائتوني ببقية { من علم } دليل عقلي أو نقلي، قد بقى لكم من أسلافكم، يدل على إيثارهم واختيارهم آلهة شركاء معه سبحانه في ألهويته، وبالجملة: ائتوني بسند صحيح أن { كنتم صادقين } [الأحقاف: 4] في دعوى الشركة مع الله المنزه عن التعدد مطلقا.

{ و } بالجملة: { من أضل } طريقا وأسوأ سبيلا وأشد سفها وحماقة { ممن يدعوا من دون الله } السميع العليم البصير الحكيم القدير الخبير، المستقل في تصرفاته بالإرادة والاختيار { من لا يستجيب له } أي: أصناما لا يسمع دعاءه، ولا يجيب ولا يعلم بحاله، ولا يدبر له أموره، وإن دعاه وتضرع نحوه { إلى يوم القيامة } أي: أبدا ما دامت الدنيا بل { وهم } أي: مبعوداتهم الباطلة { عن دعآئهم } أي: عن دعاء عابديهم { غافلون } [الأحقاف: 5] ذاهلون، لا شعور لهم حتى يفهموا أو يجيبوا.

[46.6-9]

{ و } هم قد عبودهم معتقدين نفعهم، ولم يعلموا أنهم { إذا حشر الناس } وجمعوا في الحشر للحساب والجزاء { كانوا لهم أعدآء } أي: المعبودين للعابدين، بل { وكانوا } أي: المعبودين { بعبادتهم } أي: العابدين لهم { كافرين } [الأحقاف: 6] منكرين جاحدين.

{ و } هم كانوا من شدة غيهم وضلالهم عنا وعن توحيدنا { إذا تتلى عليهم آياتنا } الدالة على وحدة ذاتنا وكمال أسمائنا وصفاتنا مع كونها { بينات } واضحات مبينات، لا يأتيها الباطل من بين يديها ولا من خلفها { قال الذين كفروا للحق } الصريح المبين { لما جآءهم } أي: حين جاءهم ليهديهم ويبين لهم طريق الحق وتوحيده { هذا } المتلو { سحر مبين } [الأحقاف: 7] ظاهر كونه سحرا باطلا، وهذا التالي ساحر عظيم، إنما قالوا هكذا ونسبوا إلى ما نسبوا؛ لعجزهم عن إتيان مثله، مع إنهم من أرباب اللسن ووفور دواعيهم بالمعارضة معه.

Unknown page