683

{ كذلك } أي: مثل ما ذكر في هذه السورة من سرائر التوحيد والأخلاق المرضية الإلهية { يوحي إليك } يا أكمل الرسل في كتابك هذا { وإلى الذين } مضوا { من قبلك } من الأنبياء والرسل في كتبهم وصحفهم { الله } المتوحد بذاته المحيط بعموم مظاهره ومصنوعاته، المستقل بأمر الإرسال والإنزال والوحي والإلهام { العزيز } الغالب في أمره وشأنه { الحكيم } [الشورى: 3] المتقن في أفعاله وتدبيراته الجارية في ملكه وملكوته.

إذ { له ما في السموت وما في الأرض } ملكا وتصرفا، إيجاد وإعداما { و } بالجملة: { هو العلي } المستقل بالعلو في مطلق ملكه وملكوته { العظيم } [الشورى: 4] في شأنه وأمره، لا علو ولا عظمة إلا له، ولا حول ولا قوة إلا به، ولا حكم ولا حكمة إلا منه.

ومن كمال عزته وعظمته { تكاد السموت } السبع { يتفطرن } بالياء والتاء، أو بالياء والنون معناه على كلتا القراءتين: يتشققن { من فوقهن } أي: من فوق السماوات أو من فوق الأرضين السبع من كمال خشية الله ورهبته، خوفا من تجليه عليهم باسمه القهار المفني للأغيار مطلقا { والملائكة } أيضا من خشيتهم من كمال غضبه وقهره سبحانه { يسبحون بحمد ربهم } تعديدا لنعمه إياهم بإفاضة الشعور والإدراك على حقوق ربوبيته ومقتضيات ألوهيته، والتمكن والاقتدار على مواظبة عبوديته ومشاهدة آثار سلطنته وعظمته { ويستغفرون } أيضا بإذنه وبمقتضى أمره { لمن في الأرض } من خلص عباده الموحدين المجبولين على صورته، المجعلوين لخلافته ونيابته { ألا } أي: تنبهوا أيها الأظلال المنهمكون في بحر الحيرة والضلال { إن الله } الذي أظهركم من كتم العدم، ورباكم بأنواع اللطف والكرم { هو الغفور } الستار لذنوب أنانياتكم، المحاء لآثام هوياتكم إن تبتم وأخلصتم فيها { الرحيم } [الشورى: 5] لكم يقبل توبتكم يغفر زلتكم، ويوصلكم إلى ما جبلتم لأجله.

ثم قال سبحانه تهديدا على المشركين المتخذين لله المتوحد في ذاته، المستقل في وجوده أندادا { والذين اتخذوا من دونه } سبحانه { أوليآء } يوالونهم كولايته سبحانه، ويتوجهون نحوهم مثل توجهه، ولا تلتفت يا أكمل الرسل إليهم، ولا تبال بشأنهم؛ إذ { الله } المحيط بذواتهم وأفعالهم وصفاتهم { حفيظ عليهم } عليم بأعمالهم ونياتهم فيها، ويحاسبهم عليها ويجازيهم بمقتضاها { ومآ أنت عليهم بوكيل } [الشورى: 6] كفيل يخلصهم عن مفاسد أعمالهم ومقابح أفعالهم، بل ما أنت إلا مبلغ ونذير.

[42.7-10]

وبعدما بلغت وأنذرت لم يبق من أمرك شيء { وكذلك أوحينآ } أي: ومثل ما أوحينا إلى من قبلك من الأنبياء كتبا، وأوحينا { إليك } يا أكمل الرسل أيضا { قرآنا عربيا } نظما وأسلوبا { لتنذر أم القرى } يعني: أهل مكة { ومن حولها } من أقطار الأرض وأنحائها، كما أنذر الأنبياء أقوامهم فيما مضى من مطلق الأمور المنافية لسلوك طريق التوحيد وسبيل الهداية والرشاد { وتنذر } خاصة { يوم الجمع } أي: الخذلان والحرمان الحاصل لهم يوم الحشر والاجتماع على المحشر، والوقوف بين يدي الله، الذي { لا ريب فيه } أي: في إتيانه ووقوعه، وبعدما اجتمعوا فيه حيارى سكارى هائمين، يساقون بعدما يحاسبون منهم { فريق في الجنة } مسرورون مقبولون { وفريق في السعير } [الشورى: 7] محزونون مطرودون.

{ ولو شآء الله } الهادي لعباده وأراد هدايتهم جميعا { لجعلهم أمة واحدة } مقتصدة معتدلة على مقتضى صرافة الوحدة الذاتية واعتدالها، { ولكن } راعى سبحانه متقضيات أوصافه وأسمائه المتقابلة، وشئونه المتخالفة لذلك { يدخل من يشآء في رحمته } ويوصله إلى فضاء وحدته بمقتضى جوده وحكمته عناية منه وفضلا، وولاية لهم ونصرا { والظالمون } الخارجون عن مقتضى عناية الله، وولايته بمقتضى قهره وانتقامه إياهم إظهارا لكمال قدرته { ما لهم من ولي } يواليهم، ويشفع لهم عنده سبحانه { ولا نصير } [الشورى: 8] ينقذهم من عذابه، فظهر ألا ولاية ولا نصرة إلا لله، ولا غالب إلا هو، وإن زعموا آلهة سواه.

{ أم اتخذوا } أي: بل أثبتوا { من دونه } سبحانه { أوليآء } واعقتدوهم شركاء له سبحانه أو شفعاء لهم عندهم، ولا تنفعهم موالاتهم واتخاذهم بل تضرهم وتغويهم { فالله } المستقل بالألوهية والربوبية { هو الولي } المقصور على الولاية، لا ولي في الوجود سواه { وهو } بكمال قدرته { يحيي الموتى } ويميت الأحياء بالإرادة والاختيار، لا فاعل في الوجود إلا هو { و } بالجملة: { هو } باستقلاله واختياره { على كل شيء } من مقدوراته ومراداته { قدير } [الشورى: 9] بلا فتور وقصور.

{ و } بعدما ثبت أن الولاية والقدرة منحصرة لله، لا فاعل في الوجود سواه، فاعلموا أيها المكلفون بسلوك طريق الحق وتوحيده أن { ما اختلفتم فيه من شيء } أي: من شعائر الدين ومعالم التوحيد واليقين واختلافكم فيه؛ إذ هل هو مفيد لكم في سلوككم، أم مفسد له { فحكمه } مفوض { إلى الله } وأمره موكول إلى كتبه ورسله، فعليكم التعبد والامتثال بما أمرتم به ونهيتهم عنه على ألسنة الرسل والكتب؛ إذ لا مدبر لأموركم سواه، ولا متصرف في الوجود إلا هو.

{ ذلكم } الذي سمعتم وصفه واستقلاله في ملكه وملكوته { الله ربي } وربكم، فاعبدوه حق عبادته، وفوضوا أموركم كلها إليه، وإن خوفتموني بغيره مع أنه لا غير في الوجود معه، فأنا { عليه } لا على غيره من الوسائل والأسباب العادية { توكلت } واتخذته وكيلا، يدفع عني مؤنة جميع من عاداني { وإليه } لا إلى الوسائط { أنيب } [الشورى: 10] وأرجع في مطلق الملمات والخطوب.

Unknown page