Tafsīr al-Jīlānī
تفسير الجيلاني
{ و } هم - أي: أسلافهم - مثل هؤلاء الضالين { إذا قيل لهم } إصلاحا لأحوالهم { اتقوا ما بين أيديكم } مما جرى على أسلافكم من الوقائع الهائلة والنوائب الشديدة السالفة، والواصلة إليهم بشئوم مفاسدهم وطغيانهم على الله وعلى أنبيائه ورسله بالخروج عن إطاعتهما وانقيادهما { و } احذروا عن { ما خلفكم } من العذاب الموعود لعصاة العباد، المتمردين على ربقة العبودية وصراط التوحيد، الضالين عن جادة السلامة بترك مقتضيات الحدود الإلهية { لعلكم ترحمون } [يس: 45] من عند الله بتقواكم عن محارمه ومحظوراته.
{ و } هم أيضا أمثالكم أيها المفرطون في الإعراض عن الحق في سبيله، بل { ما تأتيهم من آية } مشيرة لهم إلى ما يعينهم ويليق بحالهم، رادعة عما لا يعنيهم { من آيات ربهم } الصادرة عن محض الحكمة والعدالة { إلا كانوا عنها معرضين } [يس: 46] مكذبين لها، مستهزئين بمن جاء بها أمثالكم.
[36.47-50]
{ و } هم أيضا من كمال قسوتهم وبغيهم أمثالكم { إذا قيل لهم } إمحاضا للنصح وتنبيها لهم على حض الخير: { أنفقوا مما رزقكم الله } من فواضل نعمكم إلى الفقراء الفاقدين لها؛ لتتصفوا بالكرم وتفوزوا بمرتبة الإيثار { قال الذين كفروا } وكذبوا منهم بآيات الله بعدما سمعوا الأمر الإلهي الوارد على الإنفاق من ألسن المؤمنين { للذين آمنوا } إلى المصدقين الممتثلين بأوامر الله ونواهيه إيمانا واحتسابا على سبيل الإنكار والاستبعاد: { أنطعم } أي: تأمروننا أيها الجاهلون الضالون أن نعطي ونطعم { من لو يشآء الله } القادر المقتدر على إطعام عباده جملة { أطعمه } وبعدما لم يشأ مع قدرته لم يطعمهم، فأنتم من تلقاء أنفسكم تأمروننا بالإطعام، وبالجملة: { إن أنتم } أي: ما أنتم بدينكم وأمركم بما لا يشاء ولا يرضى منه سبحانه { إلا في ضلال مبين } [يس: 47] وغواية عظيمة ظاهرة، ادعيتم الإيمان بالله، وأمرتم بخلاف مشيئته وإرادته.
{ و } مهما سمعوا من المؤمنين أمثال هذه الأوامر الجالبة لروح الله ورحمته في اليوم الموعود { يقولون } على سبيل الاستهزاء والتهكم: { متى هذا الوعد } الذي أوعدنا به، عينوا لنا وقته { إن كنتم صادقين } [يس: 48] في دعواكم، يعنون بها صلى الله عليه وسلم وأصحابه.
ثم قال سبحانه في جواب هؤلاء الضالين المبطلين: { ما ينظرون } وينتظرون هؤلاء المنكرون المعاندون { إلا صيحة واحدة } هائلة { تأخذهم } بغتة { وهم } حين وقوعها { يخصمون } [يس: 49] أي: يختصمون ويتخاصمون بعضهم مع بعض في العقود والمعاملات.
ومتى فاجأتهم الصيحة الفظيعة الفجيعة { فلا يستطيعون } ولا يقدرون { توصية } وإيصاء كما هو المعروف بين الناس في حال النزع؛ أي: لا يمهلهم الفزع المهلك مقدار أن يأتوا بالوصية { ولا } يمهلهم أيضا { إلى أهلهم يرجعون } [يس: 50] أي: ينقلبون إلى بيوتهم، ويتكلمون مع أهليهم.
[36.51-54]
وبالجملة: متى سمعوا الصيحة الأولى ماتوا فجأة بلا إمهال لهم ساعة { و } بعدما ماتوا بالصيحة الأولى، وصاروا كسائر الأموات { نفخ في الصور } مرة أخرى بعد الصيحة الأولى { فإذا هم } أي: جميع الأموات، صاروا أحياء قائمين هائمين، خارجين { من الأجداث } أي: القبور { إلى ربهم } الذي يناديهم للعرض والجزاء { ينسلون } [يس: 51] يذهبون ويسرعون طوعا وكرها؛ إذ لا مرجع لهم سواه، ولا ملجأ إلا هو.
ثم لما أفاقوا من ولههم وحيرتهم ورأوا مقدمات العذاب والنكال { قالوا } أي: بعضهم لبعض متحيرين متحسرين: { يويلنا } وهلكنا، تعال فهذا أوانك { من بعثنا من مرقدنا } أي: قبرنا الذي كنا فيه مستودعين؛ أي: كل منا مستودع على صاحبه، وإن كان هناك عذاب أيضا، لكن لا تفضيح، أو المعنى: من أيقظنا عن نومنا الذي كنا عليه قبل النفخة الثانية المجيئة، وبعد النفخة الأولى المهيئة، إنما قالوا تحسرا وتحزنا.
Unknown page