Tafsīr al-Jīlānī
تفسير الجيلاني
وبعدما أثبت المشركون المصرون على كفران نعم الله أمثال هؤلاء الغواة المذكورين آلهة سوى الله سبحانه، وسموهم شفعاء وعبدوا لهم مثل عبادته سبحانه { قل } لهم يا أكمل الرسل إلزاما وتبكيتا: { ادعوا } أيها الضالون المشركون الآلهة { الذين زعمتم } وأثبتهم { من دون الله } ليستجيبوا لكم في مهماتكم، ويستجلبوا لكم المنافع، ويدفعوا عنكم المضار، كما هو شأن الألوهية والربوبية، وكيف تدعونهم لأمثال هذه المهام مع أنهم { لا يملكون } لأنفسهم { مثقال ذرة } من الخير والشر والنفع والضر، لا { في السموت ولا في الأرض } لا استقلالا؛ إذ هم ليسوا قابلين للألوهية { و } لا مشاركة؛ إذ { ما لهم فيهما } أي: في خلقهما وإيجادهما { من شرك } مشاركة مع الله في ألوهيتهم؛ لأنهم من جملة مخلوقاته، بل من أدناها، ولا شركة للمخلوق مع خالقه { و } لا مظاهرة، إذ { ما له } سبحانه { منهم من ظهير } [سبأ: 22] ولا من غيرهم أيضا، معاون له في ألوهيته وربوبيته؛ إذ هو سبحانه منزه عن المعاونة والمظاهرة مطلقا.
{ و } كذلك ليس لهم عنده سبحانه شفاعة مقبولة حتى يشفعوا لهم ويخلصوهم من عذاب الله بعدما نزل عليهم؛ إذ { لا تنفع الشفاعة عنده } سبحانه من أحد من عباده { إلا لمن أذن له } بالشفاعة لغيره؛ لاتصافه بالكمال، أو بشفاعة الغير من الشرفاء له؛ لاستحقاقه بالكرامة وإن كان منغمسا بالرذالة، وبعدما وقعت الشفاعة وأذن بها من عنده سبحانه، ينتظر الشافعون المشفعون بعد وقوعها وجلين، خائفين مهابة من سطوة سلطنة جلاله سبحانه { حتى إذا فزع } وكشف الفزع، وأزيل الخوف والوجل { عن قلوبهم } أي: قلوب الشافعين والمشفوعين { قالوا } أي: بعضهم لبعض، أو المشفوعون للشافعين: { ماذا قال ربكم } في جواب شفاعتكم، أيقبلها أم يردها؟ { قالوا } أي: الشفعاء: القول { الحق } الثابت عنده، المرضي دونهن وهو سبحانه يقبل شفاعتنا في حقكم، وأزال عنكم عذابه { و } كيف لا يخافون من الله ولا يهابون - أي: الشفعاء - عن ساحة عز حضوره؛ إذ { هو } سبحانه { العلي } ذاته وشأنه، المقصور المنحصر على العلو، لا أعلى إلا هو { الكبير } [سبأ: 23] بحسب أوصافه وأسمائه؛ إذ الكبرياء رداءه، لا يسع لأحد أن يتردى به سواه.
[34.24-30]
{ قل } لهم أيضا على سبيل التبكيت والإلزام، مقرعا إياهم: { من يرزقكم من السموت } أي: عالم الأسباب { والأرض } أي: عالم المسببات، فيبهتون عن سؤالك { قل } يا أكمل الرسل بعدما بهتوا: { الله } إذ هو متعين للجواب وإن سكتوا عنه وتلعثموا مخافة الإلزام، أضمروا في قلوبهم هذا؛ إذ لا جواب لهم سواه، ولا رازق إلا هو ولا معطي غيره { و } بعدما بهتوا وانحسروا، واستولى الحيرة والقلق عليهم، قل لهم على سبيل المجاراة والمداراة: { إنآ } يعني: فرق الموحدين { أو إياكم } يعني: فرق المشركين؛ أي: كل منا ومنكم { لعلى هدى } أي: على الحق المطابق للواقع { أو في ضلال مبين } [سبأ: 24] ظاهر انحرافه، موصل إلى الباطل الزاهق الزائل، المضاد للحق الحقيق بالمتابعة والانقياد.
{ قل } لهم أيضا على سبيل المجاراة والمبالغة في المداراة معهم، بحيث تسند الجرم إلى أنفسكم والعمل إليهم؛ مبالغة في الإسكات والتبكيت: { لا تسألون } أنتم { عمآ أجرمنا } وجئنا به من الآثام { ولا نسأل } نحن أيضا { عما تعملون } [سبأ: 25] من الأعمال، بل كل منا ومنكم رهين ما اكتسبنا من العمل، فعليكم ما حملتم، وعلينا ما حملنا.
{ قل } يا أكمل الرسل أيضا على طريق الملاينة والملاطفة في الإلزام والتبكيت: { يجمع بيننا } وبينكم { ربنا } يوم نحشر إليه ونعرض عليه { ثم يفتح } أي: يحكم ويفصل { بيننا } ويرفع نزاعنا { بالحق } أي: العدل السوي بلا حيف وميل، فيساق المحقون نحو الجنة والمبطلون نحو النار { و } كيف لا يحكمل ويفصل سبحانه { هو الفتاح } لمعضلات الأمور، الحاكم لمعلقات القضايا { العليم } [سبأ: 26] الذي يكتنه عنده كل معلوم، ولا يشتبه عليه شيء منها.
{ قل } لهم يا أكمل الرسل بعدما أشبعت الكلام على إسكاتهم وإلزامهم: { أروني } وأخبروني أيها المشركون { الذين ألحقتم به } أي: بالله سبحانه، وادعيتموه { شركآء } معه، مستحقين للعبادة مثله، وأخبروني عن أخص أوصافهم التي بها يستحقون الألوهية والمعبودية، لا تأمل أيضا في شأنهم والتدبر في حقهم، ثم رد عليهم سبحانه؛ ردعا لهم وزجرا عا هم عليه، وإرشادا لهم إلى ما هو الحق الحقيق بالاتباع، فقال: { كلا } أي: ارتدعوا أيها المشركون، المسرفون عن دعوى الشركة مع الله الواحد الأحد الصمد، الفرد الوتر، الذي ليس له شريك ولا نظير ولا وزير ولا ظهير { بل هو الله } الواحد الأحد، المستقل بالألوهية والربوبية، بل هو في الوجود والتحقق { العزيز } الغالب القادر الظاهر على من دونه من الأظلال الهالكة المضمحلة، المتلاشية في شمس ذاته، المتشعشعة المتجلية حسب أسمائه وصفاته { الحكيم } [الحكيم: 27] المقتن في أفعاله المترتبة على علمه وإرادته وقدرته، يفعل ما يشاء إرادة واختيارا، ويحكم ما يريد استقلالا، ليس لأحد أن يتصرف في ملكه وملكوته.
{ و } بعدما ثبت ألا معبود في الوجود سوانا، ولا مستحق للعبادة غيرنا، فاعلموا أنا { مآ أرسلناك } يا أكمل الرسل بعدما انتخبناك من بين البرايا واصطفيناك منهم { إلا كآفة للناس } أي: رسالة عامة، شاملة لقاطبة الأنام؛ لتكفهم عن جميع الآثام، وتمنعهم عن مقتضيات نفوسهم ومشتهيات قلوبهم مما يعوقهم عن سبل السلامة وطرق الاستقامة، وبعدما أرسلناك إليه، صيرناك عليهم { بشيرا } تبشرهم إلى درجات الجنان، والفوز بلقاء الرحمن { ونذيرا } تنذرهم وتبعدهم عن دركات النيران وأنواع العذاب والحرمان { ولكن أكثر الناس } المجبولين على الكفران والنسيان { لا يعلمون } [سبأ: 28] حكمة الإرسال والإرشاد والهداية إلى سبيل الصواب والسداد؛ لذلك عاندوا معك وكذبوك وأنكروا بكتابك، وبجميع ما جئت به من عندنا عنادا ومكابرة.
{ ويقولون } لك منكريكن متهكمين، بعدما وعدتهم بقيام الساعة وبعث الموتى من قبورهم، وحشر الأموات من الأجداث: { متى هذا الوعد } الذي وعدتنا به، عينوا لنا وقت وقوع الموعود { إن كنتم صادقين } [سبأ: 29] في وعدكم ودعواكم، هذا يعنون بالخطاب رسول لاله صلى الله عليه وسلم والمؤمنين جميعا.
{ قل } يا أكمل الرسل في جوابهم بعدما اقترحوا على سبيل الإنكار: يناجي { لكم } أيها المنكرون للبعث بغتة { ميعاد يوم } أي: وعده أو زمانه بحيث { لا تستأخرون عنه ساعة ولا تستقدمون } [سبأ: 30] أي: لا يسع لكم متى فاجأكم أن تطلبوا التأخر عنه آنا أو التقدم عليه طرفة.
Unknown page