558

[31.29-32]

وكيف لا يطلع سبحانه لجميع الكوائن والفواسد { ألم تر } أيها الرائي المتأمل المتدبر { أن الله يولج } ويدخل { الليل } أي: أجزاء منه { في النهار } ويطيله بها في الربيع تتميما لتربيتكم وأرزاقكم وأقواتكم { ويولج } أيضا في الخريف { النهار } أي: أجزاءه { في الليل } ويطيله بها تقوية وتعميرا للأرض؛ لتربية ما حدث منها { و } بالجملة: { سخر الشمس والقمر } لمصلحة معاشكم وتربية نفوسكم إلى حيث { كل يجري } ويدور بأمره، ويتم دورته بحكمه { إلى أجل مسمى } عينه الله سبحانه، وسماه من عنده على مقتضى حكمته تربية لعباده، وتقويما لأمزجتكم؛ ليشتغلوا على ما جبلوا لأجله { و } اعلما أيها المجبولون على فطرة التوحيد والعرفان { أن الله } الرقيب عليكم في جميع حالاتكم { بما تعملون } أي: بجميع ما صدر عنكم من الإعمال والأفعال { خبير } [لقمان: 29] لا يعزب عن خبرته ذرة من ذرائر ما لمع عليه نور الوجود.

وإنما ظهر منه سبحانه كل { ذلك } الذي سمعتم أيها المجبولون على فطرة الدراية والعرفان، والمترصد لانكشاف سرائر التوحيد والإيقان من بدائع القدرة والألوهية، وعدائب العلم والإرادة، وغرائب الشئون والأطوار اللامعة من لوائح لوامع شرقوق شمس الذات؛ ليدل { بأن الله } المتجلي على عروش الأنفس والآفاق بالأصالة والاستحقاق الوجود { هو الحق } الثابت المثبت أزلا وأبدا، القيوم المطلق، الدائم الباقي وبلا انقضاء ولا انصرام.

{ وأن ما يدعون من دونه } ويدعون الوجود له من العكوس والأظلال الهالكة في شروق شمس الذات { الباطل } المقصور، المنحصر على العدم والبطلان، المستهلك في مضيق الإمكان بأنواع الخذلان والحرمان { و } بالجملة: اعلموا أيها المتأملون في آثار الوجود الإلهي المتحقق بوحدة ذاته، وكثرة شئونه وتطوراته حسب أسمائه وصفاته { أن الله } المستقل بالألوهية والربوبية، المستحق لأنواع التذلل والعبودية { هو العلي } بذاته لا بالإضافة إلى غيره؛ إذ لا غير معه { الكبير } [لقمان: 30] في شئونه وتطوراته حسب تجلياته الجمالية والجلالية، واللطفية والقهرية.

وكيف لا يستقل سبحانه بتصرفات ملكه وملكوته؟! { ألم تر } أيها الرائي المستبصر { أن الفلك تجري في البحر } حاملة { بنعمت الله } المنعم المفضل عليكم بمقتضى لطفه وسعة جوده { ليريكم من آياته } الدالة على توحيده؛ لتتفطنوا منها إلى وحدة ذاته { إن في ذلك } الإجراء والإمداد بالرياح المعينة لجريها، والحفظ من الغرق والهلاك { لآيات } دلائل قاطعة، وشواهد ساطعات { لكل صبار } صبر على متاعب ما جرى عليه من القضاء { شكور } [لقمان: 31] لما وصل إليهم من الآلاء والنعماء.

{ و } من كمال صبرهم وشكرهم { إذا غشيهم } وغطاهم { موج } عظيم، واستعلى مغلقا عليهم { كالظلل } المغيظة إياهم من الجبال والسحب { دعوا الله } الواحد الأحد الصمد، المنجي لهم عن أمثاله { مخلصين له الدين } منحصرين التوجه والانقياد إليه بلا ميل منهم إلى الأسباب والوسائل العادية، متضرعين نحوه، داعين إليه بلا رؤية الوسائل في البين على ما هو مقتضى التوحيد { فلما نجاهم } سبحانه بفضله من أهوال البحر ومضيقه، وأوصلهم { إلى البر } وسعة فضائه سالمين غانمين { فمنهم } حينئذ { مقتصد } أي: معتدل في قصده نحو الحق، غير مائل إلى طرفي الإفراط والتفريط، ومنهم مائل عن الاعتدال، منحرف عنه، ساع إلى تحصيله { و } بالجملة: { ما يجحد } منهم، وينكر { بآياتنآ } الدالة على وحدة ذاتنا، وكمال أسمائنا وصفاتنا { إلا كل ختار } غدار ناقض للعهد الفطري، والميثاق الجبلي { كفور } [لقمان: 32] للآلاء والنعماء المترادفة المتوالية.

[31.33-34]

{ يأيها الناس } المجبولون على الكفران والنسيان، المشغولون عن البغي والعدوان { اتقوا ربكم } الذي أظهركم من كتم العدم ولم تكونوا شيئا مذكورا، واحذروا عن بطشه وانتقامه، فإن بطشه شديد، وعذابه لعصاة عباده أليم مزيد { واخشوا يوما } وأي يوما { لا يجزي } أي: لا يقضي ولا يسقط ولا يحمل { والد } مع كمال عطفه ورأفته { عن } وزر { ولده ولا مولود هو جاز عن والده شيئا } بل كل نفس حينئذ رهينة ما كسبت، ضمينة ما اكتسبت بمقتضى ما وعد الله لها وككتب، وبالجملة: { إن وعد الله } الذي وعده لعباده { حق } لا ريب في إنجامه، ولا خلف في وقوعه { فلا تغرنكم } أيها المجبولون على الغفلة والغرور { الحياة الدنيا } يتغريرها وتلبيساتها من مالها وجاهها، ولذاتها الفانية الغير القارة { ولا يغرنكم بالله } عفوه وغفرانه، وسعة رحمته وجوده { الغرور } [لقمان: 33] أي: الشيطان المبالغ في الغرور والتغرير بأن يجبركم على المعاصي اتكالا على عفو الله وغفرانه.

ثم لما أتى الحرث بن عمرو رسول الله صلى للعلهي وسلم فقال: متى تقوم الساعة، وأني قد ألقيت بذرا على الأرض فمتى تمطر السماء، وامرأتي ذات حمل حملها ذكر أم أنثى، وما أعمل غدا، وأين أموت؟

فنزلت { إن الله } المستقل باطلاع الغيوب { عنده علم الساعة } وقت قيامها، ولم يطلع أحدا عليها سوى أنه سبحانه أخبر بوقوعها وقيامها في جميع الكتب المنزلة من عنده على رسله { و } أيضا هو { ينزل الغيث } ولم يطلع أحدا بوقت نزوله { ويعلم } أيضا سبحانه { ما في الأرحام } ولم يطلع أحدا عليه { و } أيضا { ما تدري } وتعلم { نفس } من النفوس { ماذا تكسب } وتعمل { غدا } وإن تدبرت وتدربت، وبذلت جهدها وسعيها لا تفوز إلى دراية أحوال غدها، بل هو أيضا من جملة المغيبات التي أحاط بها علمه سبحانه بلا اطلاع أحد عليها { وما تدري } وتعلم { نفس } أيضا، وإن بالغت في السعي وبذل الجهد والطاقة { بأي أرض تموت } بل هو أيضا من جملة الغيوب التي استأثر الله بها، بالجملة: { إن الله } المستقل بالألوهية والربوبية، المستجمع لجميع أوصاف الكمال { عليم } لا يعزب عن حيطة حضرة علمه ذرة { خبير } [لقمان: 34] لا يخرج عن حيطة خبرته طرفة، وإن كان لا يكتنه علمه وخبرته، والله أعلم بحقائق أسمائه وصفاته، ودقائق معلومات، ورقائق آثاره ومصنوعاته المترتبتة عليها.

Unknown page