340

Maʿālim al-tanzīl fī tafsīr al-Qurʾān = Tafsīr al-Baghawī

معالم التنزيل في تفسير القرآن = تفسير البغوي

Editor

حققه وخرج أحاديثه محمد عبد الله النمر - عثمان جمعة ضميرية - سليمان مسلم الحرش

Publisher

دار طيبة للنشر والتوزيع

Edition

الرابعة

Publication Year

١٤١٧ هـ - ١٩٩٧ م

تَأْكِيدًا كَقَوْلِهِ تَعَالَى: "وَلَا طَائِرٍ يَطِيرُ بِجَنَاحَيْهِ" (٣٨-الْأَنْعَامِ) ﴿إِلَى أَجَلٍ مُسَمًّى﴾ الْأَجَلُ مُدَّةٌ مَعْلُومَةُ الْأَوَّلِ وَالْآخِرِ، وَالْأَجَلُ يَلْزَمُ فِي الثَّمَنِ فِي الْبَيْعِ وَفِي السَّلَمِ حَتَّى لَا يَكُونَ لِصَاحِبِ الْحَقِّ الطَّلَبُ قَبْلَ مَحَلِّهِ، وَفِي الْقَرْضِ لَا يلزم الأجل عن أَكْثَرِ أَهْلِ الْعِلْمِ ﴿فَاكْتُبُوهُ﴾ أَيِ اكْتُبُوا الَّذِي تَدَايَنْتُمْ بِهِ، بَيْعًا كَانَ أَوْ سَلَمًا أَوْ قَرْضًا.
وَاخْتَلَفُوا فِي هَذِهِ الْكِتَابَةِ: فَقَالَ بَعْضُهُمْ: هِيَ وَاجِبَةٌ، وَالْأَكْثَرُونَ عَلَى أَنَّهُ أَمْرُ اسْتِحْبَابٍ فَإِنْ تُرِكَ فَلَا بَأْسَ كَقَوْلِهِ تَعَالَى "فَإِذَا قَضَيْتُمُ الصَّلَاةَ فَانْتَشِرُوا فِي الْأَرْضِ" (١٠-الْجُمُعَةِ) وَقَالَ بَعْضُهُمْ كَانَتْ كِتَابَةُ الدَّيْنِ وَالْإِشْهَادِ وَالرَّهْنِ فَرْضًا ثُمَّ نُسِخَ الْكُلُّ بِقَوْلِهِ "فَإِنْ أَمِنَ بَعْضُكُمْ بَعْضًا فليؤد الذي ائتمن أَمَانَتَهُ" وَهُوَ قَوْلُ الشَّعْبِيِّ ثُمَّ بَيَّنَ كَيْفِيَّةَ الْكِتَابَةِ فَقَالَ جَلَّ ذِكْرُهُ ﴿وَلْيَكْتُبْ بَيْنَكُمْ﴾ أَيْ لِيَكْتُبْ كِتَابَ الدَّيْنِ بَيْنَ الطَّالِبِ وَالْمَطْلُوبِ ﴿كَاتِبٌ بِالْعَدْلِ﴾ أَيْ بِالْحَقِّ مِنْ غَيْرِ زِيَادَةٍ وَلَا نُقْصَانٍ وَلَا تَقْدِيمِ أَجْلٍ وَلَا تَأْخِيرٍ ﴿وَلَا يَأْبَ﴾ أَيْ لَا يَمْتَنِعُ ﴿كَاتِبٌ أَنْ يَكْتُبَ﴾ وَاخْتَلَفُوا فِي وُجُوبِ الْكِتَابَةِ عَلَى الْكَاتِبِ وَتَحَمُّلِ الشَّهَادَةِ عَلَى الشَّاهِدِ، فَذَهَبَ قَوْمٌ إِلَى وُجُوبِهَا إِذَا طُولِبَ وَهُوَ قَوْلُ مُجَاهِدٍ، وَقَالَ الْحَسَنُ تَجِبُ إِذَا لَمْ يَكُنْ كَاتِبٌ غَيْرُهُ، وَقَالَ قَوْمٌ هُوَ عَلَى النَّدْبِ وَالِاسْتِحْبَابِ، وَقَالَ الضَّحَّاكُ كَانَتْ عَزِيمَةً وَاجِبَةً عَلَى الْكَاتِبِ وَالشَّاهِدِ فَنَسَخَهَا قَوْلُهُ تَعَالَى "وَلَا يُضَارَّ كَاتِبٌ وَلَا شَهِيدٌ" ﴿كَمَا عَلَّمَهُ اللَّهُ﴾ أَيْ كَمَا شَرَعَهُ اللَّهُ وَأَمَرَهُ ﴿فَلْيَكْتُبْ وَلْيُمْلِلِ الَّذِي عَلَيْهِ الْحَقُّ﴾ يَعْنِي: الْمَطْلُوبُ يُقِرُّ عَلَى نَفْسِهِ بِلِسَانِهِ لِيَعْلَمَ مَا عَلَيْهِ، وَالْإِمْلَالُ وَالْإِمْلَاءُ لُغَتَانِ فَصِيحَتَانِ مَعْنَاهُمَا وَاحِدٌ، جَاءَ بِهِمَا الْقُرْآنُ، فَالْإِمْلَالُ هَاهُنَا، وَالْإِمْلَاءُ قَوْلُهُ تَعَالَى: "فَهِيَ تُمْلَى عَلَيْهِ بُكْرَةً وَأَصِيلًا" (٥-الْفُرْقَانِ) ﴿وَلْيَتَّقِ اللَّهَ رَبَّهُ﴾ يَعْنِي الْمُمِلَّ ﴿وَلَا يَبْخَسْ مِنْهُ شَيْئًا﴾ أَيْ وَلَا يَنْقُصْ مِنْهُ، أَيْ مِنَ الْحَقِّ الَّذِي عَلَيْهِ شَيْئًا.
﴿فَإِنْ كَانَ الَّذِي عَلَيْهِ الْحَقُّ سَفِيهًا﴾ أَيْ جَاهِلًا بِالْإِمْلَاءِ، قَالَهُ مُجَاهِدٌ، وَقَالَ الضَّحَّاكُ وَالسُّدِّيُّ: طِفْلًا صَغِيرًا، وَقَالَ الشَّافِعِيُّ ﵀، السَّفِيهُ: الْمُبَذِّرُ الْمُفْسِدُ لِمَالِهِ أَوْ فِي دِينِهِ.
قَوْلُهُ ﴿أَوْ ضَعِيفًا﴾ أَيْ شَيْخًا كَبِيرًا وَقِيلَ هُوَ ضَعِيفُ الْعَقْلِ لِعَتَهٍ أَوْ جُنُونٍ ﴿أَوْ لَا يَسْتَطِيعُ أَنْ يُمِلَّ هُوَ﴾ لِخَرَسٍ أَوْ عَيٍّ أَوْ عُجْمَةٍ أَوْ حَبْسٍ أَوْ غَيْبَةٍ لَا يُمْكِنُهُ حُضُورَ الْكَاتِبِ أَوْ جَهْلٌ بِمَا لَهُ وَعَلَيْهِ ﴿فَلْيُمْلِلْ وَلِيُّهُ﴾ أَيْ قَيِّمُهُ ﴿بِالْعَدْلِ﴾ أَيْ بِالصِّدْقِ وَالْحَقِّ، وَقَالَ ابْنُ عَبَّاسٍ ﵁ وَمُقَاتِلٌ: أَرَادَ بِالْوَلِيِّ صَاحِبَ الْحَقِّ، يَعْنِي إِنْ عَجَزَ مَنْ عَلَيْهِ الْحَقُّ مِنَ الْإِمْلَالِ فَلْيُمْلِلْ وَلِيُّ الْحَقِّ وَصَاحِبُ الدَّيْنِ بِالْعَدْلِ لِأَنَّهُ

1 / 349