Al-Tabsira
التبصرة
Publisher
دار الكتب العلمية
Edition
الأولى
Publication Year
١٤٠٦ هـ - ١٩٨٦ م
Publisher Location
بيروت - لبنان
إِخْوَانِي: نَذِيرُكُمْ قَدْ صَدَقَ، وَالْمُجْتَهِدُ قَدْ سَبَقَ، وَقَدْ مَضَى نَهَارُ الْعُمُرِ وَبَقِيَ الشَّفَقُ، وَآخِرُ جَرْعَةِ اللَّذَّةِ شَرَقٌ، وَصَاحِبُ الدُّنْيَا مِنْهَا عَلَى فَرَقٍ. رُبَّ غُصْنٍ نَاضِرٍ كُسِرَ إِذَا سَبَقَ، رُبَّ زَرْعٍ قَامَتْ سُوقُهُ رَمَاهُ الْغَرَقُ. أَيْنَ الرَّقِيقُ سَاقَهُ سَوَّاقٌ مَا رَفَقَ، هَذَا وَكُلُّكُمْ يَدْرِي أَيْنَ انْطَلَقَ، أَمَا رَأَيْتُمْ مَضْجَعَهُ فِي الْقَبْرِ بِالْحِدَقِ، وَاعَجَبًا لِقَلْبِ الْمُتَفَكِّرِ كَيْفَ مَا احْتَرَقَ، أَمَا شَاهَدْتُمُوهُ وَقَدْ تَقَطَّعَتْ مِنْهُ الْعِلَقُ، وَتَقَمَّصَ بَعْدَ عُرْيِهِ جِلْبَابَ الْخَوْفِ
وَالْفَرَقِ، وَخَرَسَ لِسَانُهُ وَقَدْ طَالَ مَا نَطَقَ:
(فَمَا تَزَوَّدَ مِمَّا كَانَ يَجْمَعُهُ ... إِلا حَنُوطًا غَدَاةَ الْبَيْنِ فِي خِرَقِ)
(وَغَيْرَ نَفْخَةِ أَعْوَادٍ يُشَبُّ لَهُ ... وَقَلَّ ذَلِكَ مِنْ زَادٍ لِمُنْطَلِقِ)
أَيُّهَا الْمُتَيَقِّظُونَ وهم نائمون، أتبنون مالا تَسْكُنُونَ وَتَجْمَعُونَ مَا لا تَأْكُلُونَ، كُونُوا كَيْفَ شِئْتُمْ فَسَتُنْقَلُونَ ﴿ثُمَّ إِنَّكُمْ بَعْدَ ذَلِكَ لَمَيِّتُونَ﴾: يَا مُقِيمِينَ سَتَرْحَلُونَ، يَا مُسْتَقِرِّينَ مَا تُتْرَكُونَ، يَا غَافِلِينَ عَنِ الرَّحِيلِ سَتَظْعَنُونَ، أَرَاكُمْ مُتَوَطِّنِينَ تَأْمَنُونَ الْمَنُونَ ﴿ثُمَّ إِنَّكُمْ بَعْدَ ذَلِكَ لَمَيِّتُونَ﴾ .
طُولَ نَهَارِكُمْ تَلْعَبُونَ وَطُولَ لَيْلِكُمْ تَرْقُدُونَ، وَالْفَرَائِضُ مَا تُؤَدُّونَ، وَقَدْ رَضِيتُمْ عَنِ الْغَالِي بِالدُّونِ، لا تَفْعَلُوا مَا تَفْعَلُونَ ﴿ثُمَّ إِنَّكُمْ بَعْدَ ذلك لميتون﴾ أَمَّا الأَمْوَالَ فَتَجْمَعُونَ وَالْحَقَّ فِيهَا مَا تُخْرِجُونَ، وَأَمَّا الصَّلاةَ فَتُضَيِّعُونَ وَإِذَا صَلَّيْتُمْ تَنْقُرُونَ. أَتُرَى هَذَا إِلَى كَمْ يَكُونُ ﴿ثُمَّ إِنَّكُمْ بَعْدَ ذلك لميتون﴾ أَيْنَ الْعُتَاةُ الْمُتَجَبِّرُونَ، أَيْنَ الْفَرَاعِنَةُ الْمُتَسَلِّطُونَ، أَيْنَ أَهْلَ الْخُيَلاءِ الْمُتَكَبِّرُونَ، قَدِّرُوا أَنَّكُمْ صِرْتُمْ كَهُمْ أَمَا تَسْمَعُونَ، ﴿ثُمَّ إِنَّكُمْ بَعْدَ ذَلِكَ لَمَيِّتُونَ﴾ مَا نَفَعَتْهُمُ الْحُصُونُ وَلا رَدَّ الْمَالُ الْمَصُونُ، هَبَّتْ زَعْزَعُ الْمَوْتِ فَكَسَرَتِ الْغُصُونَ، قَدِّرُوا أَنَّكُمْ تَزِيدُونَ عَلَيْهِمْ وَلا تَنْقُصُونَ ﴿ثُمَّ إِنَّكُمْ بَعْدَ ذلك لميتون﴾ تَقَلَّبُوا مِنَ اللَّذَّاتِ فِي فُنُونٍ، وَأَخْرَجَهُمُ الْبَطَرُ إِلَى الْجُنُونِ، فَأَتَاهُمْ مَا هُمْ عَنْهُ غَافِلُونَ ﴿كم تركوا من جنات وعيون، ثم إنكم بعد ذلك لميتون﴾ .
لَوْ حَصَلَ لَكُمْ كُلُّ مَا تُحِبُّونَ وَنَمَا جَمِيعُ مَا تُؤْتُونَ، وَنِلْتُمْ مِنَ الأَمَانِي مَا
2 / 161