559

Al-Tabsira

التبصرة

Publisher

دار الكتب العلمية

Edition

الأولى

Publication Year

١٤٠٦ هـ - ١٩٨٦ م

Publisher Location

بيروت - لبنان

Regions
Iraq
Empires & Eras
ʿAbbāsids
أَيُّهَا الْمُجْتَهِدُ هَذَا رَبِيعُ جِدِّكَ، أَيُّهَا الطَّالِبُ هَذِهِ أَوْقَاتُ رِفْدِكَ، تَيَقَّظْ أَيُّهَا الْغَافِلُ مِنْ سِنَةِ الْبَطَالَةِ، تَحَفَّظْ أَيُّهَا الْجَاهِلُ مِنْ شُبَهِ الضَّلالَةِ، اغْتَنِمْ سَلامَتَكَ فِي شَهْرِكَ قَبْلَ أَنْ تُرْتَهَنَ فِي قَبْرِكَ، قَبْلَ انْقِرَاضِ مُدَّتِكَ وَعَدَمِ عدتك وإزماع موتك وَانْقِطَاعِ صَوْتِكَ، وَعُثُورِ قَدَمِكَ وَظُهُورِ نَدَمِكَ، فَإِنَّ الْعُمْرَ سَاعَاتٌ تَذْهَبُ وَأَوْقَاتٌ تُنْهَبُ. وَكُلُّهَا مَعْدُودٌ عَلَيْكَ وَالْمَوْتُ يَدْنُو كُلَّ لَحْظَةٍ إِلَيْكَ.
أَخْبَرَنَا أَبُو بَكْرِ بْنُ حَبِيبٍ الْعَامِرِيُّ بِسَنَدِهِ عَنْ مُحَمَّدِ بْنِ عَلِيٍّ الْحَرْبِيُّ قَالَ سَمِعْتُ أَحْمَدَ ابن الْمُغَلِّسِ قَالَ سَمِعْتُ سَرِيًّا السَّقَطِيَّ يَقُولُ: السَّنَةُ شَجَرَةٌ، وَالشُّهُورُ فُرُوعُهَا وَالأَيَّامُ أَغْصَانُهَا وَالسَّاعَاتُ أَوْرَاقُهَا وَأَنْفَاسُ الْعِبَادِ ثَمَرَتُهَا، فَشَهْرُ رَجَبٍ أَيَّامُ تَوْرِيقِهَا، وَشَعْبَانُ أَيَّامُ تَفْرِيعِهَا، وَرَمَضَانُ أَيَّامُ قَطْفِهَا، وَالْمُؤْمِنُونَ قُطَّافُهَا. هَذِهِ الأَشْهُرُ الثَّلاثُ الْمُعَظَّمَةُ كَالْجَمَرَاتِ الثَّلاثِ، فَرَجَبٌ كَأَوَّلِ جَمْرَةٍ تُحْمَى بِهَا الْعَزَائِمُ، وَشَعْبَانُ كَالثَّانِيَةِ تَذُوبُ فِيهَا مِيَاهُ الْعُيُونِ، وَرَمَضَانُ كَالثَّالِثَةِ تُورِقُ فِيهَا أَشْجَارُ الْمُجَاهَدَاتِ، وَأَيُّ شَجَرَةٍ لَمْ تُورِقْ فِي الرَّبِيعِ قُطِعَتْ لِلْحَطَبِ! فَيَا مَنْ قَدْ ذَهَبَتْ عَنْهُ هَذِهِ الأَشْهُرُ وَمَا تَغَيَّرَ أَحْسَنَ اللَّهُ عَزَاءَكَ!
إِخْوَانِي: إِنَّمَا شُرِعَ الصَّوْمُ لِيَقَعَ التَّقَلُّلُ، فَأَمَّا مَنْ أَوْثَقَ الرِّزْمَةَ فَمَا لَهُ نِيَّةٌ فِي الْبَيْعِ، إِذَا اسْتَوْفَيْتَ الْعِشَاءَ تَكَدَّرَ اللَّيْلُ بِالنَّوْمِ، وَإِذَا اسْتَوْفَيْتَ السَّحُورَ تَخَبَّطَ النهار بالكسل، وإنما شرع السحور ليتقوى المتقلل مِنَ الْعِشَاءِ وَلِيَنْتَبَهِ الْغَافِلُ، وَمَا أَرَى رَمَضَانَ إِلا زَادَكَ شِبَعًا وَغَفْلَةً.
وَا عَجَبًا لَوْ عُرِضَ عَلَيْكَ أَنْ تَشْرَبَ شَرْبَةَ مَاءٍ فِي رَمَضَانَ لَمَا شَرِبْتَ وَلَوْ ضُرِبْتَ، وَأَنْتَ فِيهِ تَغِشُّ فِي الْبَيْعِ وَتُطَفِّفُ فِي الْمِيزَانِ، فَإِذَا خَرَجَ شَرِبْتَ الْخَمْرَ فِي شَوَّالٍ، أَمَا كَانَ النَّاهِي عَنْ هَذَا هُوَ النَّاهِي عَنْ ذَاكَ ﴿أفتؤمنون ببعض الكتاب وتكفرون ببعض﴾ .
تَاللَّهِ لَوْ قِيلَ لأَهْلِ الْقُبُورِ تَمَنَّوْا لَتَمَنَّوْا يَوْمًا مِنْ رَمَضَانَ، إِلَى مَتَى أَنْتَ فِي ثياب

2 / 78