Al-Tabsira
التبصرة
Publisher
دار الكتب العلمية
Edition
الأولى
Publication Year
١٤٠٦ هـ - ١٩٨٦ م
Publisher Location
بيروت - لبنان
قِطْرِيَّتَانِ إِزَارٌ إِلَى نِصْفِ السَّاقِ وَرِدَاءٌ مُشَمَّرٌ، وَمَعَهُ دِرَّةٌ لَهُ يَمْشِي بِهَا فِي الأَسْوَاقِ يأمرهم بتقوى الله وحسن البيع ويقول: أوفوا الكيل والميزان.
أَخْبَرَنَا أَبُو بَكْرِ بْنُ حَبِيبٍ الصُّوفِيُّ، أَنْبَأَنَا أَبُو سَعِيدِ بْنُ أَبِي صَادِقٍ الْحَبِيرِيُّ، حَدَّثَنَا أَبُو عَبْدِ اللَّهِ بْنُ بَاكَوِيَةَ الشِّيرَازِيُّ، حَدَّثَنَا عَبْدُ اللَّهِ بْنُ فَهْدِ بْنِ إِبْرَاهِيمَ السَّاجِيُّ، حَدَّثَنَا مُحَمَّدُ بْنُ زَكَرِيَّا، حَدَّثَنَا الْعَبَّاسُ بْنُ بَكَّارٍ، حَدَّثَنَا عَبْدُ الْوَاحِدِ بْنُ أَبِي عَمْرٍو الأسيدِيُّ، عَنِ الْكَلْبِيِّ، عَنْ أَبِي صَالِحٍ قَالَ: قَالَ مُعَاوِيَةُ بْنُ أَبِي سُفْيَانَ لِضِرَارِ بْنِ حمزة: صف لي عليًا فقال: أو تعفني. قال: بل تصفه. فقال: أو تعفني. قَالَ: لا أُعْفِيكَ. فَقَالَ: أَمَا أَنْ لا بُدَّ فَإِنَّهُ كَانَ بَعِيدَ الْمَدَى شَدِيدَ الْقُوَى، يَقُولُ فَصْلا وَيَحْكُمُ عَدْلا، يَتَفَجَّرُ الْعِلْمُ مِنْ جَوَانِبِهِ وَتَنْطِقُ الْحِكْمَةُ مِنْ نَوَاحِيهِ، يَسْتَوْحِشُ مِنَ الدُّنْيَا وَزَهْرَتِهَا، وَيَسْتَأْنِسُ بِاللَّيْلِ وَظُلْمَتِهِ، كَانَ وَاللَّهِ غَزِيرَ الدَّمْعَةِ طَوِيلَ الْفِكْرَةِ، يَقْلِبُ كَفَّهُ وَيُخَاطِبُ نَفْسَهُ، يُعْجِبُهُ مِنَ اللِّبَاسِ مَا خَشُنَ وَمِنَ الطَّعَامِ مَا جَشَبَ، كَانَ وَاللَّهِ كَأَحَدِنَا يُجِيبُنَا إِذَا سَأَلْنَاهُ وَيَبْتَدِئُنَا إِذَا أَتَيْنَاهُ، وَيَأْتِينَا إِذَا دَعَوْنَاهُ، وَنَحْنُ وَاللَّهِ مَعَ تَقْرِيبِهِ لَنَا وَقُرْبِهِ مِنَّا لا نُكَلِّمُهُ هَيْبَةً [لَهُ] وَلا نَبْتَدِيهِ تَعْظِمَةً، فَإِنْ تَبَسَّمَ فَعَنْ مِثْلِ اللُّؤْلُؤِ الْمَنْظُومِ، يُعَظِّمُ أَهْلَ الدِّينِ وَيُحِبُّ الْمَسَاكِينَ، لا يَطْمَعُ القوي في باطله ولا ييأس الضَّعِيفُ مِنْ عَدْلِهِ، فَأَشْهَدُ بِاللَّهِ لَرَأَيْتُهُ فِي بَعْضِ مَوَاقِفِهِ وَقَدْ أَرْخَى اللَّيْلُ سُجُوفَهُ وَغَارَتْ نُجُومُهُ، وَقَدْ مَثُلَ فِي مِحْرَابِهِ قَابِضًا عَلَى لِحْيَتِهِ يَتَمَلْمَلُ تَمَلْمُلَ السَّلِيمِ وَيَبْكِي بُكَاءَ الْحَزِينِ وَكَأَنِّي أَسْمَعُهُ وَهُوَ يَقُولُ: يَا دُنْيَا
يَا دُنْيَا أَبِي تَعَرَضْتِ أَمْ بِي تَشَوَّفْتِ؟ هَيْهَاتَ غُرِّي غَيْرِي، قَدْ بَتَتْكِ ثَلاثًا لا رَجْعَةَ لِي فِيكِ، فَعُمْرُكِ قَصِيرٌ وَعَيْشُكِ حَقِيرٌ وَخَطَرُكِ كَبِيرٌ، آهٍ مِنْ قِلَّةِ الزَّادِ وَبُعْدِ السَّفَرِ وَوَحْشَةِ الطَّرِيقِ.
قَالَ: فَذَرَفَتْ دُمُوعُ مُعَاوِيَةَ فَمَا يَمْلِكُهَا وَهُوَ يُنَشِّفُهَا بِكُمِّهِ، وَقَدِ اخْتَنَقَ الْقَوْمُ بِالْبُكَاءِ، ثُمَّ قَالَ مُعَاوِيَةُ: رَحِمَ اللَّهُ أَبَا الْحَسَنِ! كَانَ وَاللَّهِ كَذَلِكَ، فَكَيْفَ حُزْنُكَ عَلَيْهَ يَا ضِرَارُ؟ قَالَ: حُزْنُ مَنْ ذُبِحَ وَلَدُهَا فِي حِجْرِهَا فَلا تَرْقَأُ عَبْرَتُهَا وَلا يَسْكُنُ حزنها.
1 / 450