Al-Tabsira
التبصرة
Publisher
دار الكتب العلمية
Edition
الأولى
Publication Year
١٤٠٦ هـ - ١٩٨٦ م
Publisher Location
بيروت - لبنان
فَيَتَمَنَّوْنَ عَدَمَ الْوُجُودِ، فَهُمْ بَيْنَ الرُّكُوعِ وَالسُّجُودِ وَنَصْبِ الأَقْدَامِ الْقَائِمَةِ.
يَتَفَكَّرُونَ فِي السَّابِقَةِ، وَيَحْذَرُونَ مِنَ اللاحِقَةِ وَكَأَنَّهُمْ يَتَّقُونَ صَاعِقَةً، أَوْ كَأَنَّ السُّيُوفَ عَلَى أَعْنَاقِهِمْ بَارِقَةٌ، يَا شِدَّةَ قَلَقِهِمْ من الخاتمة ﴿وجوه يومئذ ناعمة﴾ .
قال المفسرون: معنى قوله تعالى: ﴿ناعمة﴾ أَيْ فِي نِعْمَةٍ وَكَرَامَةٍ لِسَعْيِهَا فِي الدُّنْيَا ﴿راضية﴾ الْمَعْنَى أَنَّهَا رَضِيَتْ ثَوَابَ عَمَلِهَا ﴿فِي جَنَّةٍ عالية﴾ المنازل ﴿لا تسمع فيها لاغية﴾ أَيْ كَلِمَةَ لَغْوٍ.
قَوْلُهُ تَعَالَى: ﴿فِيهَا عَيْنٌ جارية﴾ .
طَالَمَا أَطَالُوا الْبُكَاءَ فِي اللَّيْلِ، تَجْرِي دُمُوعُهُمْ جَرْيَ السَّيْلِ، وَتَسْتَبِقُ فِي صَحْرَاءِ الْخُدُودِ كَالْخَيْلِ، وَإِنَّمَا يُكَالُ لِلْعَبْدِ عَلَى قَدْرِ الْكَيْلِ، فَإِذَا دَخَلُوا الْجَنَّةَ فَلِكُلِّ عَيْنٍ جَارِيَةٌ ﴿فِيهَا عَيْنٌ جارية﴾ .
جَنَّ اللَّيْلُ وَهُمْ قِيَامٌ، وَجَاءَ النَّهَارُ وَهُمْ صِيَامٌ، وَتَوَرَّعُوا قَبْلَ الْكَلامِ، وَسَلَّمُوا عَلَى الدُّنْيَا لِدَارِ السَّلامِ، فَالْبُطُونُ جَائِعَةٌ وَالأَجْسَادُ عَارِيَةٌ.
ائْتَزِرُوا بِمِئْزَرِ الْقُنُوعِ، وَارْتَدُوا بِرِدَاءِ الْخُشُوعِ، وَاسْتَلِذُّوا بِشَرَابِ الدُّمُوعِ، وَلَوْلا صَحْوُ السَّهَرِ وَالْجُوعُ مَا بَانَ عِنْدَ الْجَبَلِ هِلالُ " يَا سَارِيَةُ ".
قَوْلُهُ تَعَالَى: ﴿فيها سرر مرفوعة﴾ قَالَ ابْنُ عَبَّاسٍ: أَلْوَاحُهَا مِنْ ذَهَبٍ مُكَلَلَّةٌ بالزبرجد والياقوت، مرتفعة ما لم يجىء أَهْلُهَا، فَإِذَا أَرَادَ صَاحِبُهَا أَنْ يَجْلِسَ عَلَيْهَا تَوَاضَعَتْ لَهُ حَتَّى يَجْلِسَ عَلَيْهَا ثُمَّ تُرْفَعَ.
وَفِي حَدِيثِ أَبِي سَعِيدٍ الْخُدْرِيِّ ﵁ عَنِ النَّبِيِّ ﷺ في قوله تعالى: ﴿وفرش مرفوعة﴾ قَالَ: " وَالَّذِي نَفْسِي بِيَدِهِ إِنَّ ارْتِفَاعَهَا كَمَا بَيْنَ السَّمَاءِ وَالأَرْضِ ".
قَوْلُهُ تَعَالَى: ﴿وَأَكْوَابٌ مَوْضُوعَةٌ﴾ وَهِيَ الأَبَارِيقُ الَّتِي لا عُرَى لَهَا،
1 / 430