Sūs al-ʿālima

سوس العالمة

Publisher

مؤسسة بنشرة للطباعة والنشر «بنميد» ٥ زنقة مستغانم - الدار البيضاء

Edition

الثانية

Publication Year

١٤٠٤هـ - ١٩٨٤م

Publisher Location

المغرب

ـ[سوس العالمة]ـ
المؤلف: محمد المختار بن علي بن أحمد الإلغي السوسي (المتوفى: ١٣٨٣هـ)
الناشر: مؤسسة بنشرة للطباعة والنشر «بنميد» ٥ زنقة مستغانم - الدار البيضاء، المغرب
الطبعة: الثانية، ١٤٠٤هـ - ١٩٨٤م
عدد الأجزاء: ١
[ترقيم الكتاب موافق للمطبوع وهو مذيل بالحواشي]
محمد المختار السوسي (١٣١٨ - ١٣٨٣ هـ /١٩٠٠ - ١٩٦٣ م) (*)
ولد محمد المختار السوسي بقرية دّوكادير إلغ (تحت الحصن) الواقعة على بعد ١٧٤ كلم جنوب مدينة أكادير لوالده رئيس الزاوية الدرقاوية الشيخ علي بن أحمد الإلغي ووالدته رقية بنت العلامة المؤلف المدرس محمد بن العربي الأدوزي، والأسرتان السعيدية الإلغية والأدوزية عريقتان في العلم والصلاح توالى فيهماالرجال الصالحون والعلماء والحفاظ.
افتتح السوسي تعليمه على والدته فعلمته الكتابة والقراءة وحفظ عليها شيئا من القرآن ثم أتم حفظه على بعض مريدي والده بالزاوية الدرقاوية، ثم تنقل بين مدارس منطقة سوس كمدرسة إيغشَّان ومدرسة بونعمان ومدرسة تانكرت فدرس على كبار شيوخها خاصة الشاعر الأديب المجاهد الطاهر الإفراني فأخذ عنهم اللغة والفقه والفرائض والحساب والأصول، كما اهتم بالخصوص بالأدب بتشجيع ومتابعة من عبد الرحمان البوزكارني أحد كبار الطلبة إذ ذاك بمدرسة تانكرت فتأثر بعنايته بمطالعة كتب الأدب الأندلسي وحفظ أشعارها خاصة نفح الطيب للمقري، وفي هذه المرحلة صدرت عنه مقطعات شعرية ورسائل كانت باكورة إنتاجه الأدبي.
اتجه السوسي سنة ١٣٣٨ بتوجيه من بعض أقربائه إلى مدينة مراكش لاستكمال معارفه فانكب على التحصيل بجامع ابن يوسف منقطعا عن المخالطة بتأثير نفحة صوفية، غير أن فكره شهد تغيرا جذريا فاستبدل الفكر السلفي المتفتح بسلوك أبناء الطرق ومريدي الزوايا وذلك لما حل الشيخ السلفي المصلح أبو شعيب الدكالي بمراكش حيث ألقى سلسلة دروس كان يدعو فيها إلى العودة إلى أصلي التشريع كتاب الله وسنة رسوله ﷺ والعناية بعلمي التفسير والحديث واقتفاء أثر السلف الصالح وكان لكل ذلك تأثير كبير في نفس السوسي وفكره فكان ذلك إيذانا ببدء مرحلة جديدة من حياته
أحس السوسي أن مراكش لن تستطيع إشباع نهمه للعلوم وتحقيق طموحه المعرفي فغادرها إلى فاس سنة ١٣٤٣ وانتسب لجامع القرويين، واندمج في البيئة الفاسية المتفتحة على العالم في ظل حركة ثقافية ووطنية حية نشأت بحماس طائفة من المفكرين الشباب في تلك المرحلة التي كان فيها الاستعمار الفرنسي متمكنا من الرقاب، قال عن تلك المرحلة: «في فاس استبدلت فكرا بفكر فتكون لي مبدأ عصري على آخر طراز، فقد ارتكز على العلم والدين، والسنة القويمة ... وكنت أصاحب كل المفكرين إذ ذاك وكانوا نخبة في العفة والعلم والدين، ينظرون إلى بعيد» (الإلغيات ٢/ ٢٢٥)
في ذلك الجو الثقافي الحي قضى السوسي أربع سنوات اقتنع خلالها بقيمة العلم والعمل ودورهما في تغيير حال المجتمع والوطن، وخطط مع زملائه لمستقبل بلادهم فأسسوا جمعيتين الأولى ثقافية معلنة سموها جمعية الحماسة وترأسها هو نفسه، والثانية سياسية سرية ترأسها علال الفاسي، وأول مشروع بدأت به النخبة الوطنية نشر الوعي الإسلامي من خلال التطوع للتدريس بالمدرسة الناصرية باعتبار ذلك خطوة في تحقيق التغيير المنشود غير أن نشاط المدرسة لفت إليها أنظار الاستعمار فأغلقها، وقد نتج عن ذلك اقتناع أعضاء الجمعيتين بنجاعة الأسلوب الذي سلكوه وضرورة الانتشار في المغرب للنهوض بجهاته المختلفة.
غادر السوسي فاسا إلى الرباط التي أقام بها سنة ١٣٤٧ وحضر خلالها دروس علمائها السلفيين المجدين مثل المدني بن الحسني والشيخ الدكالي والشيخ محمد السائح كما اطلع على الأدب العربي القديم والحديث في نوادر مصادره وفي المجلات والمطبوعات المختلفة ورأى تنوع مذاهبه وإبداعات أدبائه وكانت له مسامرات ومناقشات مع الأديب محمد بن العباس القباج، ولم تكن معارف الرباط لتشبع نهم السوسي للعلوم فقرر السفر إلى مصر إلا أن قلة ذات يده منعته.
رجع السوسي إلى مدينة مراكش فاستقر بزاوية والده بها في حي الرميلة قاصدا الاشتغال بالتعليم والتربية باعتبارهما السبيل القويم لمحاربة الجهل والتخلف ومحاربة الاستعمار ومناهجه التعليمية التي كانت تركز على تحقير عقيدة الأمة ومحو لغتها، فبدأ تدريس طائفة قليلة من الأطفال من أقاربه وجيران الزاوية التي تحول قسم منها إلى كتاب قرآني غير أنه سرعان ما طارت شهرته وتقاطر عليه الطلبة باختلاف مستوياتهم فنظم الدراسة وآوى الجميع مستعينا بموارد أعماله التجارية والفلاحية وبهبات المحسنين من أصدقائه، كما اعتنى بالمواد المهملة في المقررات الرسمية التي أرساها الاحتلال الفرنسي كاللغة العربية والقرآن والتاريخ المغربي والسيرة النبوية وفي النظام العتيق كالتفسير وعلوم الحديث والأدب.
لم يكتف السوسي بعمله في مدرسة الرميلة بل أضاف إليه دروسا عامة يلقيها في المساجد ورئاسة الجمعية الخيرية الإسلامية التي كان يقف فيها في وجه مصالح طاغية مراكش الباشا التهامي الكلاوي، وحركة دائبة لتأسيس مدارس حرة على غرار ما فعل في الرميلة حاثا زملاءه العلماء على السير على نهجه ففتحت بفضل ذلك عدة مدارس.
وقد لفت عمل السوسي الدائب نظر الحكام الاستعماريين بمراكش فعملوا على محاربته بترغيبه في مناصب رسمية كالقضاء وترهيبه بالاستدعاءات المتكررة والاستفسارات والاستفزازات، ولما يئسوا من انصياعه قرروا نفيه، فأخرج على حين غرة من مراكش منفيا إلى مسقط رأسه سنة ١٣٥٥ حيث قضى تسع سنوات ذاق خلالها مرارة العزلة والغربة إذ منع من الاتصال بالأجانب بل بأبناء بلده فبقي بعيدا عن طلبته وأصدقائه من العلماء والأدباء منكسر القلب من ضياع جهده في تكوين طلبته وتخريجهم على النحو الذي يرضيه.
غير أن السوسي لم يقض وقته في البكاء على ماضيه بل انتهز فرصة فراغه ليشتغل بما ينفع أمته، فصرف همته إلى جمع تاريخ منطقة سوس التي اشتهرت في التاريخ بكثرة العلماء ووفرة الأدباء وتمسك أهلها بالشرع الإسلامي، قال عن ذلك: «سودت في إلغ مسقط رأسي، حيث ألزمت العزلة عن الناس، أجزاء كثيرة تناهز خمسين جزءا في العلماء والأدباء والرؤساء والأخبار والنوادر، والهيئة الاجتماعية .. وكلها مقصورة على أداء الواجب عليّ، من أحياء تلك البادية التي سبق في الأزل أن كنت ابنا من أبنائها، ويعلم الله أنه لو قدر لي أن أكون ابن تافيلالت أو درعة أو الريف أو جبالة أو الأطلس أو دكالة، لرأيت الواجب عليّ أن أقوم بمثل هذا العمل نفسه، لتلك الناحية التي تنبت نبعتي فيها، لأنني من الذين يرون المغرب جزءا لا يتجزأ، بل أرى العالم العربي كله من ضفاف الأطلسي إلى ضفاف الرافدين وطنا واحدا، بل أرى جميع بلاد الإسلام كتلة متراصة من غرب شمال إفريقيا إلى إندونيسية، لا يدين بدين الإسلام الحق من يراها بعين الوطنية الضيقة التي هي من بقايا الاستعمار الغربي في الشرق، بل لو شئت أن أقول - ويؤيدني ديني فيما أقول - إنني أرى الإنسانية جمعاء أسرة واحدة، لا فضل فيها لعربي على عجمي إلا بالتقوى، والناس من آدم، وآدم من تراب ﴿يأيها الناس إنا خلقناكم من ذكر وأنثى وجعلناكم شعوبا وقبائل لتعارفوا إن أكرمكم عند الله أتقاكم﴾»
لقد كان العمل العظيم السوسي في حوالي ثمانين جزءا ردا حاسما علميا على الظهير البربري الصادر في نسخته النهائية سنة ١٩٣٠ والرامي إلى الفصل بين العرب والأمازيغ، ليؤكد أن المغاربة على اختلاف ألسنتهم انصهروا في بوتقة واحدة هي الإسلام واللغة العربية، قال: «إنني رأيت منذ سنوات أن هذا الشعب محتاج إلى جهود من كل جهة جهود تأخذ بيد حاضره .. وجهود تأخذ بيد ماضيه من إحياء ما كان له من مجد، وما كان أثله من سؤدد، وما عرفه له التاريخ من حياة علمية، فإذا منعت من السير في تلقيح الأفكار في الحاضر بلساني، فلأنفذ وعدي بالاجتهاد في إحياء ماضيه بيراعي، وقد رأيت هذه الزاوية من المغرب مجهولة كثيرا حتى عند المغاربة أنفسهم، فضلا عن العالم كله، فقلت في نفسي: لأقم على حساب مستطاعي بإلقاء ضوء على تقلبات هذه الزاوية، فكان ذلك شغلي الوحيد منذ وطئت هذه الأرض ..» (سوس العالمة ص: أ)
ولم يكن السوسي مهتما بتفوق منطقة سوس أو مدفوعا بالعصبية الضيقة أو العنصرية المقيتة بل كان يعتبر أن الوجه الصحيح لكتابة تاريخ الإسلام هو البدء بتاريخ رجالاته وأسرهم ثم مجتمعاتهم المحدودة فأقطارهم فالأمة الإسلامية جمعاء وذلك اتساقا مع إيمانه العميق بضرورة وحتمية العودة إلى التراث للحفاظ على الهوية ومواجهة التحديات، قال: «نحن نوقن أنه سيأتي يوم يثور فيه أولادنا أو أحفادنا ثورة عنيفة ضد كل ما لا يمت إلى غير ما لآبائهم من النافع المحمود، ثم يحاولون مراجعة تاريخهم ليستقوا منه كل ما في إمكانهم استدراكه. فلهؤلاء يجب على من وفقه الله من أبناء اليوم أن يسعى في إيجاد المواد الخام لهم في كل ناحية من النواحي التي تندثر بين أعيننا اليوم، وما ذلك إلا إيجاد مراجع التاريخ يسجل فيها عن أمس كل ما يمكن من الأخبار والعادات والأعمال والمحافظة على المثل العليا.» (المعسول ١/د)
في سنة ١٣٦٤ سمح للسوسي بالعودة إلى مراكش، فعاد إلى سابق عهده بها مستأنفا نشاطه التعليمي والتربوي بزاوية الرميلة باعثا مجالسه الأدبية ودروسه بالمساجد، وفي هذه المرحلة تقوى النشاط السياسي بمراكش تزعمه بعض طلبة السوسي القدماء ولم يكن الاستعمار غافلا عن ذلك فزادت ضغوطه، وحرر الوطنيون عريضة احتجاج ضد القمع مطالبين بالحرية وقعها السوسي، ولما رأى الجو مضطربا بمراكش انتقل إلى الدار البيضاء سنة ١٣٧٠ ليتابع بها عمله غير أنه ما لبث أن ألقي عليه القبض ونفي من جديد إلى الصحراء الشرقية مع طائفة من زعماء الحركة الوطنية والسياسيين الوطنيين حيث قضوا حوالي سنتين. وفي ذلك المعتقل راجع حفظ القرآن وتابع التأليف والكتابة ونظم دروسا في مختلف المواد العلمية والأدبية ومسامرات أدبية وجلسات إخبارية سجل أحداثها ومجرياته في كتابه «معتقل الصحراء».
في سنة ١٣٧٤ انفرجت الأزمة السياسية وأطلق سراح المعتقلين ثم أعلن استقلال المغرب، فعاد السوسي إلى الرباط وعين وزيرا للأوقاف في أول حكومة مغربية بعد الاستقلال ثم وزيرا في مجلس التاج وقاضيا شرعيا للقصور الملكية إلى وفاته سنة ١٣٨٣ عقب مضاعفات ناتجة عن إصابته في حادثة سير وفي هذه المرحلة صرف جهده وهمته إلى إخراج مؤلفاته وكأنما كان يسابق الأجل.
كانت حياة السوسي مليئة بالانجازات العلمية والثقافية من أبرزها تأسيس جمعية علماء سوس التي أشرفت على بناء المعهد الإسلامي بمدينة تارودانت وعضوية اللجنة العلمية التي حررت مدونة الأحوال الشخصية المغربية كما أن مؤلفاته الكثيرة كانت - مع غيرها من مؤلفات معاصريه - تأسيسا للبحث العلمي الأكاديمي في مجال التاريخ والاجتماع والأدب والثقافة والفكر ومن أهم هذه المؤلفات:
- «المعسول في الإلغيين وأساتذتهم وتلامذتهم في العلم والتصوف وأصدقائهم وكل من إليهم.» في نحو ٨٠٠٠ صفحة في ٢٠ جزءا صدرت تباعا عن ٣ مطابع ما بين سنة ١٩٦٠ و١٩٦٣ وهو موسوعة تراجم لنحو ٤٠٠٠ من العلماء والفقهاء والأدباء والرؤساء.
- «خلال جزولة» في أربعة أجزاء وهو وصف لأربع رحلات علمية في المناطق السوسية مليئة بالفوائد العلمية والأدبية والتاريخية، مطبوع.
- «الإلغيات» في ٣ أجزاء تضمن مذكراته خلال نفيه إلى مسقط رأسه، والكتاب حافل بالأدبيات شعرا ونثرا والمناقشات العلمية والأدبية والتاريخية والفوائد الاجتماعية، مطبوع.
- «سوس العالمة» بمثابة مقدمة لموسوعة المعسول اشتمل نظرة عامة على العلم العربي وأعلامه ومؤسساته في منطقة سوس طبع مرتين.
- «إيليغ قديما وحديثا» تاريخ إمارة أسستها أسرة شريفة في قلب جبال جزولة السوسية منذ القرن ١١ الهجري طبع مرتين بالمطبعة الملكية.
- «معتقل الصحراء» يشمل مذكرات المعتقل الصحراوي إثر النفي الثاني وفيه نبذة من نشاط النخبة السياسية المغربية في المنفى طبع جزؤه الأول.
- «رجالات العلم العربي في سوس» إحصاء للعلماء والأدباء السوسيين النابغين منذ القرن الخامس الهجري وحتى زمن التأليف وهم حوالي٢٠٠٠ وهو مطبوع.
- «حول مائدة الغذاء» تقييد للروايات الشفوية لأحد رجالات البلاط السلطاني في أوائل القرن الرابع عشر الهجري في جزء واحد مطبوع.
- «من أفواه الرجال» تسجيل للروايات الشفوية لمريدي الزاوية الدرقاوية عن الشيخ علي بن أحمد الدرقاوي في ١٠ أجزاء.
- «مترعات الكؤوس في آثار طائفة من أدباء سوس» مخطوط في ثلاثة أجزاء تضمن تراجم مئة أديب سوسي نبغوا منذ القرن العاشر الهجري ألفه السوسي لسد الخلل الذي ظهر في كتاب النبوغ المغربي لعبد الله كنون حينما أهمل التعريف بأدباء سوس خاصة.
- ترجمة الأربعين حديثا النووية إلى الأمازيغية السوسية، مخطوط.
- ترجمة الأنوار السنية إلى الأمازيغية السوسية، مخطوط.
- أمثال الشلحيين وحكمهم نظما ونثرا، تضمن حكم الأمازيغ السوسيين بلسانهم، مخطوط.
- «بين الجمود والميع» بناء قصصي تضمن تحليل التيارات الفكرية بالمغرب في عهد الحماية وإبان الاستقلال من خلال أربعة إخوة أحدهما صوفي والآخر علماني الفكر والثالث نفعي يتبع هواه والرابع نموذج للإنسان المسلم السوي، نشرت في حلقات بمجلة دعوة الحق.
- «من الحمراء إلى إلغ» وصف رحلة قام بها من مراكش إلى مسقط رأسه صحبة بعض تلامذته، رقنها وأعدها للطبع ابن اخيه المرحوم الأستاذ عبد الله درقاوي.
- «قطائف اللطائف» نوادر وحكايات سوسية، مخطوطة.
- «المجموعة الفقهية في الفتاوي السوسية» مجموعة من فتاوى الفقهاء السوسيين، مطبوعة بإعداد وتعليق ابن أخيه الأستاذ عبد الله درقاوي.
- ٩٠ حلقة من برنامج وعظي باللسان الأمازيغي السوسي أذيعت من الإذاعة المركزية بالرباط في أوائل سنوات الستين.
وإذا كان من إشارة ينبغي أن نختم بها هذه الوقفة السريعة على حياة السوسي فهي التعليق على بعض ما يذكر من أن حياته وإنجازاته قد لقيت اهتماما كافيا ودراسة حثيثة، فقد ركزت الدراسات على الجانبين التاريخي والأدبي ولما تهتم بعد بالجانب الشرعي الإسلامي ثم بالجانب الاجتماعي السوسيولوجي والجانب الأنثروبولوجي والجانب التربوي إضافة إلى بقاء جوانب كثيرة من أدبه بعيدة عن الدراسة خاصة الجانب السردي القصصي والرسائل والمذكرات، كما أن كثيرا من الدراسات التي احتضنتها الجامعة المغربية ومراكز التكوين والبحث عنه وعن فكره لما تطبع بعد كالدراسات المنجزة حول سيرته الذاتية ورحلاته وفكره التربوي، ناهيك عن الدراسات الجارية خارج المغرب في الدول الأوربية كفرنسا وألمانيا وفي أمريكا واليابان بجامعة هيروشيما وجامعة طوكيو ..

(*) قال مُعِدّ الكتاب للشاملة: هذه الترجمة ليست في المطبوع
محمد المختار السوسي
سوس العالمة

Unknown page

صورة المؤلف
الحق حق وفيه ... أحيا وألقى الحماما
فما أعش فمحق ... وإن أمت فسلاما
وما أبالي إذا ما ... حسنت ربي الختاما
من قطعة قالَها الْمُؤلِّف فِي شَرْخ شَبَابه

1 / 3

الإهداء
كان سبب ابتدائي لِمباحث هذا الكتاب أستاذي الجليل علامة الشرفاء، وإمام الكرماء، ابن زيدان، يوم زار سوسا وكتب رحلته السوسية في كراسة، فناولنيها على أن أذيل عليها، وأستتم كل ما يتعلق بالعلوم العربية في كل أدوار التاريخ بسوس، فلم أزل أتوسع في الموضوع حتى صار الموضوع إلى ما يراه القارئ. أفليس من الواجب المتأكد أن يكون الكتاب باسم أستاذنا الجليل ابن زيدان الذي ترك فراغا لَم يُحاول أحد أن يَملأه ولا طمع فيه متطاول؟ والاعتراف من التلميذ لتأثير أستاذه من أدنى واجبات الأساتذة على التلامذة.
إذا أفادك إنسان بفائدة ... من العلوم فأدْمِنْ شكره أبدا
وقل فلان جزاه الله صالِحة ... أفادنيها وخل الكبر والحسدا
م خ س

1 / 5

ـ أـ
كلمة
في المغرب حواضر وبواد، وتاريخه العلمي العام لا يمكن أن يتكون تكونا تامّا إلا من التواريخ الخاصة لكل حاضرة من تلك الحواضر، ولكل بادية من هذه البوادي، فإذا كان بعض الحواضر فازت بما يلقى على تاريخها العلمي بعض ضوء ينير الطريق للسالكين، فإن تلك البوادي المترامية لا تزال إلى الآن داجية الآفاق في أنظار المتطلعين الباحثين، فهذه تافيلالت ودرعة والريف وجبالة والأطلس الكبير وتادلة ودكالة وأمثالها، قد كان لَها كلها ماض مَجيد في ميادين المعارف العربية، فهل يُمكن أن يَجد الباحث اليوم ما يفتح أمامه صفحاتها حتى يُدرك ما كان فيها طوال قرون كثيرة من النشاط والإكباب والرحلة في سبيل الثقافة، فكم سجلماسي ودرعي وريفي وجبالي وأطلسي وتادلي ودكالي وشاوي يمر باسمه المطالع أثناء الكتب، وكم مدارس، وزوايا علمية إرشادية في هذه البوادي لا تزال آثارها إلى الآن ماثلة للعيون، أو لا تزال الأحاديث عنها يُدَوِّي طنينها في النوادي، فأين ما يبين كنه أعمالها، وتضحية أصحابها، وما قاساه أساتذتها وأشياخها في تثقيف الشعب، وتنوير ذهنه، وتوجيهه التوجيه الإسلامي بنشر القرآن والحديث وعلوم القرآن والحديث، من اللغة والفقه وسيرة السلف الصالِح؟ أفيمكن أن يتكون التاريخ العام للمغرب تامّا غدا إذا لَم يقم أبناء اليوم -والعهد لا يزال قريبا- ولَمَّا تغمرنا أمواج هذه الحضارة الغربية الجارفة التي تُحاول منذ الآن حتى إفساد ماضينا بِما يكتبه عنا بعض المغرضين من أهلها -بِجمع كل ما يمكن جمعه، وتنسيق ما لا يزال مبعثرا بين الآثار، ومنتشرا أثناء المسامرات، فإنه لو قام من كل ناحية

1 / 7

ـ ب ـ
رجال باحثون ببذل الجهود؛ لتكونت بما سيهيئونه من التاريخ الْخاص لكل ناحية مراجع عظيمة، سيتكئ عليها الذين سيتصدرون للتاريخ العام المستوعب في العلم العربي المغربي غدا، بله الحوادث والأطوار المتقلبة، وما هذا الغد ببعيد، وتباشير فجره تلوح الآن في الأفق.
قد يَخطر في بال بعض الناس القصيري النظر: أن السجلماسي أو الدكالي -مثلا- إذا تصدى كل واحد منهما لِمثل هذا البحث في ناحيته، أن ذلك من العنصرية الممقوتة التي لا يزال المستعمرون أمس يضربون في كل فرصة على وترها لِجعل المغرب أشلاء ممزعة، مع أن هذا العلم ليس من العنصرية في شيء، فهل إذا توفر الطبيب للتخصص في بَحث ما حول عضو من أعضاء الذات، نلمزه بالعنصرية إزاء الأعضاء الأخرى؟ وهل إذا قام رب أسرة بكل ما تَحتاج إليه أسرته بالإنفاق عليها وحدها، وبالدفاع عن حقوقها، وتَحديد أملاكها الْخاصة، يلمز أيضا بالعنصرية؟ أو هل الذين كتبوا عن فاس ومراكش وأسفي وطنجة وتيطاون والعدوتين، وخصصوا كل مدينة على حدة، يلمزون بالعنصرية؟ إن هذا لَخطل في الرأي، وخطأ في تقدير الأعمال، وسد للأبواب دون العاملين في ميدان خاص، وتثبيط لأعمال المجتهدين.
إن لليوم غدا، وإن في الميدان لأفراسا مطلقة، وإن أبواب العمل مفتوحة على مصاريعها أمام كل من يريد أن يعمل في أي ميدان من الميادين. وقد زالت الأعذار بالاستقلال، وأمكن لكل ذي عزيمة أن يعمل، فهل للكسالى أن ينتفضوا فيدخلوا في غمار العاملين، عوض أن يَملئوا الْجواء بالنقد الزائف، والأعذار الواهية، فعند الممات تظهر التركات، وإنَّما الأعمال بالنيات، ومن أبطأ به عمله؛ فلا يلومن إلا نفسه.
أقِلُّوا عليهم لا أبَا لأِبِيكُمُ ... من اللوم أوْ سُدُّوا الْمكانَ الذي سَدُّوا
هذا وإنني -أنا ذلك السوسي المولع بالتاريخ منذ نشأته- لأبذل كل ما في إمكاني للكتابة عن بادية سوس، منذ نفيت إليها في مُختتم: (١٣٥٥هـ)، إلى أن أفرج عني الإفراج التام في مُختتم (١٣٦٤هـ). توفرت

1 / 8

ـ ج ـ
على ذلك، وجمعت فيه جهودي ومَن لَم يتوفر على شيء ويَجمع فيه جهوده؛ فقلما يعطيه حقه من البحث، فقد سودت في (إِلْغ) مسقط رأسي، حيث ألزمت العزلة عن الناس، أجزاء كثيرة تناهز خمسين جزءا في العلماء والأدباء والرؤساء والأخبار والنوادر، والهيئة الاجتماعية، وما هذا الكتاب (سوس العالِمة) إلا واحدا من تلك الأجزاء، وكلها مقصورة على أداء الواجب عليَّ، من إحياء تلك البادية التي سبق في الأزل أن كنت ابنا من أبنائها، ويعلم الله أنه لو قدر لي أن أكون ابن تافيلالت أو درعة أو الريف أو جبالة أو الأطلس أو تادلة أو دكالة؛ لرأيتُ الواجب عليَّ أن أقوم بِمثل هذا العمل نفسه لتلك الناحية التي تَنْبُت نبعتي فيها؛ لأنني من الذين يرون المغرب جزءا لا يتجزأ، بل أرى العالم العربي كله، من ضفاف الأطلسي إلى ضفاف الرافدين وطنا واحدا، بل أرى جَميع بلاد الإسلام كتلة متراصة من غرب شمال أفريقيا إلى أندونيسية، لا يدين بدين الإسلام الحق من يراها بعين الوطنية الضيقة التي هي من بقايا الاستعمال الغربي في الشرق، بل لو شئت أن أقول -ويؤيدني ديني فيما أقول-: إنني أرى الإنسانية جَمعاء أسرة واحدة، لا فضل فيها لعربي على عجمي إلا بالتقوى، والناس من آدم، وآدم من تراب (يَا أَيُّهَا النَّاسُ إِنَّا خَلَقْنَاكُمْ مِنْ ذَكَرٍ وَأُنْثَى وَجَعَلْنَاكُمْ شُعُوبًا وَقَبَائِلَ لِتَعَارَفُوا إِنَّ أَكْرَمَكُمْ عِنْدَ اللَّهِ أَتْقَاكُمْ).
إيه فهذه سوس وجدت من هذا السوسي من يبذل جهوده حول إحياء تاريخ بعض رجالاتها، فليت شعري هل تَجد البوادي الأخرى، بل وبعض الحواضر التي لَم يكتب عنها بعد أي شيء من تثور فيه الحمية المحمودة -وفي ذلك فليتنافس الْمُتنافسون- فيفتح لنا الأبواب التي نراها موصدة؟ إننا أيها الفيلالي والدرعي والريفي والجبالي والأطلسي والتادلي والدكالي لَمنتظرون أم يذهب هذا النداء كصرخة الوادي بين ثنايا الصدى؟
وبعد: فإن تاريخنا لَم يكتب بعد كما ينبغي، حتى في الْحَواضر التي كتب عنها كثيرون قديما وحديثا، فهذه مراكش التي كتب عن رجالاتها الزائرين والساكنين شيخنا سيدي عباس، لَم تفز بعد بِمن

1 / 9

ـ د ـ
يكتب عن نواح شتى من أدوارها التي تقلبت فيها، وقد كنت أجمع كتابا في ذلك سميته: (مراكش في عصرها الذهبي) مشيت فيه خطوات، ومقصودي إظهار مراكش كما هي سياسيّا وعلميّا وأدبيّا واجتماعيّا في عصر المرابطين والموحدين، وبينما أنا مُكبٌّ على جَمع المواد -وما أكثرها- بِمناسبة استيفاء مراكش إذ ذاك سنة (١٣٥٤هـ) تسعمائة سنة، إذا بالنفي مُختتم (١٣٥٥) نادى مناديه، فتركت على رغمي الكتابة حول مراكش الذهبية التي هي العاصمة العظيمة للمغرب ردحا من الزمان إلى الكتابة حول تلكم القبائل التي تكانف هذه القرية الساذجة المغمورة (إلغ) (١)، (ولو خيرت لاخترت)، فقدر لبني هذه القرية ومُجاوريهم ولأساتذتهم ولتلاميذهم ولأصدقائهم كتاب (المعسول) الذي يصل الآن -وقد كاد يتم تَخريجه- عشرين جزءا، حوول فيه أن يكتب بإسهاب كل ما أمكن عن السوسيين بأدنى مناسبة، ثم ليس ذلك كله بالتاريخ المطلوب عن سوس، وإنَّما المقصود جَمع المواد لمن سيكتبون وينظمون غدا، وهذا هو الواجب الآن علينا. وأما أن ندعي أننا حقيقة نكتب التاريخ كما ينبغي، فإن ذلك إفك صراح، أولا ترى أن لك من عرف فاسا، وما أدراك ما فاس، واستحضر ما كتب حولَها من القرن الرابع إلى الآن كتابة ناقصة مُجحفة، وقد أدرك الدوز العظيم الذي مثلته فاس لا في المغرب ولا في شمال إفريقية وإزاء الأندلس فحسب، بل وفي العالم الإسلامي أجمع - يوقن أن تاريخها لَم يكتب بعد كما يَجب أن يُكتب - فكثيرا ما أقول: لو تصدى باحث أو باحثون لكتابة تاريخ فاس من نواحيها كلها؛ لفتحوا صفحة عربية ذهبية وهاجة طافحة، وربما تنسي كل ما كتب عن بغداد ودمشق والقاهرة. فهذا (تاريخ تطوان) لأخينا الأستاذ محمد داود المستوفي ثماني مُجلدات- وهو التاريخ الوحيد المستوفي لكل جوانب التاريخ المطلوب عن إحدى مدننا- قد كتب عن مدينة ربما كان جانب خاص من جوانب فاس أطفح وأعظم من جَميع جوانب تطوان في كل أدوار حياتها، ولكن حسن التنسيق من المؤلف، والإكباب على جَمع النظائر، وحسن الترتيب، ومُحاولة الاستيعاب، قد كست الكتاب حلة

(١) إلغ بكسر فسكون.

1 / 10

ـ هـ ـ
براقة أخاذة بإبصار المطالعين، ومن لنا بِمثله عن فاس الْمَاجدة العظيمة التي هي فاسنا كلنا لا فاس سكانَها وحدهم؛ لأن فاس فاس العلم والفكر والحضارة، لا فاس شيء آخر، وإن تاريخ المغرب الثقافي العام ليكاد كله يكون كجوانب الرحى حول قطب فاس، فهأنذا أعلن عن سوس هذه التي أولعت بها، أن أول عالِم سوسي عرفته سوس فيما نعلمه هو وجَّاك، وهل هو إلا تلميذ أبي عمران الفاسي، وأنا هذا الذي أحسن مني بهذه الهمة، هل كنت إلا تلميذ علماء آخرين، وأجلهم وأكثرهم تأثيرا في حياتي الفكرية العلماء الفاسيون، وليت شعري كيف أكون لو لَم أقض في فاس أربع سنوات قلبت حياتي وتفكيري ظهرا لبطن، ثم لَم أفارقها إلا وأنا مَجنون بالمعارف جنون قيس بن الملوح بليلاه، حتى نسيت بها كل شيء.
فهكذا فاس، فهذ الأستاذة أمس واليوم، وكل أنْحَاء المغرب تلاميذ لَها، ولعل القارئ عرف ما ذكره المراكشي الصميم صاحب (المعجب) عن فاس في وقت ازدهار مراكش في عصرها الذهبي من الإشادة بِها، وتلك مزية كتبت لفاس من الأزل، فكانت أحق بِها وأهلها، أفيجمل بِمدينة مثل هذه تطفح بالشخصيات النادرة من العباقرة ما بين لغوي وأديب وطبيب وفيلسوف ومشرع ومُصلح وسياسي وصوفي، زيادة عما مضى فيها من الحوادث التي كانت هي الحاسمة في كل أدوار الحوادث في المغرب كله، أن تبقى بلا تاريخ مفصل منظم، مع أن ذلك في دائرة الإمكان؟
وبعد فليسمع صوت هذا السوسي كل جوابن المغرب من أعظم حاضرة إلى أصغر بادية، فلعل من يصيخون يندفعون إلى الميدان، فنرى لكل ناحية سجلا يضبط حوادثها، ويعرف برجالها، ويستقصي عاداتها، فيكون ذلك أدعى إلى وضع الأسس العامة أمام من سيبحثون في المغرب العام غدا على منضدة التاريخ المغربي العام.
ثم أقول لإخواننا السوسيين من الشباب: لا تظنوا أنني في كل ما سودته مما كتبته في مُختلف تلك الأجزاء الخمسين مِما خصص بالرجال أو بالحوادث أو بالرحلات أديت به حتى عشر المعشار من الواجب عن

1 / 11

ـ وـ
سوسهم، فإنني ما عدوت أن جَمعت ما تيسر جَمعا بسيطا كيفما اتفق، بقلم متعثر، وأسلوب لا يزال يتتبع خطا أساليب القرون الوسطى؛ إلا أنني لا أنكر أنني حاولت فتح الباب فبذلت جهدي، وأفرغت وسعي، فكم غلط لا بد أن يقع لي، وكم من تَحريف أو تصحيف اسم لا جرم واقع فيه، فعليهم أن يقوموا ليستتموا وليصححوا الأغلاط، فهل من مُجيب؟
وبعد؛ فإليك أيها القارئ الكتاب الأول من تلك المجموعة التي تضم زهاء خَمسين جزءا تَحت أسْماء مُختلفة، فادع الله أن يُيسر موالاة نشر تلك الكتب كلها بفضله، وكرمه، على أنها لا تنشر إلا بتنشيطك وإقبالك عليها.
وقد كان ينبغي لِهذا الْجزء أن يَخرج إلى الوجود مُنذ جَمع سنة (١٣٥٨هـ)، ولكن تأخر خروجه فكان في تأخره فوائد؛ منها: تنقيحه والزيادة فيه بِحسب الإمكان، وههوذا الآن وفق ما تيسر، لا على حسب ما ينبغي من التحرير.
فما كان فيه من فائدة جديدة في عالَم التاريخ المغربي ففضل من الله على مغربي لا يطول إخوانه بزيادة علم أو فضل، وما كان فيه من تقصير -وهو لا بد كائن- فإن التقصير من لوازم البشر.
وأي عمل من أعمال البشر يسلم؟! فالله الموفق والستير للعيوب.
الرباط ١٣٧٩
مُحمد المختار السوسي
لطف الله به

1 / 12

بسم الله الرَّحْمَن الرحيم
وصلى الله على سيدنا مُحمد وآله وصحبه
أحق ما يفتتح به كل من له إلْمَام بلمعة من المعارف، أن يَحمد الله على ما أولاه إيَّاه، وأن يُصلي على رجل العالَم القرشي الْهَاشمي الذي حرر الأفكار، وشحذ العقول، وهتك الأوهام، ونفى الخرافات، فهيأ الأفكار لاقتناص المعارف كما هي من غير أن تشوبَها شائبة من إلاهيات اليونان، وأساطير الكلدان، وأوهام البطالسة والرومان، وخرافات الهند وإيران، كما يَحق أن يترضى عن أولئك الرجال الذين تربوا بذلك الرجل العظيم في وسط تلك البادية القاحلة، فسادوا من تربوا في مدارس الإسكندرية ورومة وبيزانطة والمدائن وجُنْدَيْسَابُور، فكانوا خير علماء بعد أن كان تضرب بِهم في الجهالة الأمثال، ويسير بأحاديثهم المحققة أو المأفوكة الركبان، كما أصبحوا مقاديم قلبوا الكرة الأرضية ببسالتهم النادرة، بعد أن كانوا عند سواهم كالرعاديد، بل صاروا أشباه الملائكة نزاهة وعلو همَّة، وزهدوا فيما يَملكون، فضلا عما لا يَملكون، فظهروا بمظهر عجيب، ومبادئ تنسف الأوهام، بعد أن كانوا ما شاء الله أغوال الصحراء التي تتخبط القوافل، أو تنتهب فيما بينها حرَبا (١) وفتكا، إذا لَم تَجد من تنتهب ماله، أو تفتك به، كما يقول أحدهم:
وأحيانا على بكر أخانا ... إذا ما لَم نَجد إلا أخانا
فلم تَمض إلا سنوات عليهم مع معلمهم العظيم، والنبي الذي بذ كل الأنبياء، حتى تقمصوا روحا وثابة سارية، هي بالكهرباء أشبه منها

(١) الحرَب بالتحريك: النهب.

1 / 13