Sirāj al-mulūk

سراج الملوك

Publisher

من أوائل المطبوعات العربية

Publisher Location

مصر

بسم الله الرحمن الرحيم
سراج الملوك
الحمد لله الذي لم يزل ولا يزال. وهو الكبير المتعال. خالق الأعيان والآثار. ومكور النهار على الليل والليل على النهار. العالم بالخفيات. وما تنطوي عليه الأرضون والسماوات. سواء عنده الجهر والأسرار. ومن هو مستخف بالليل وسارب بالنهار. ألا يعلم من خلق وهو اللطيف الخبير خلق الخلق بقدرته. وأحكمهم بعلمه وخصهم بمشيئته. ودبرهم بحكمته. لم يكن له في خلقهم معين. ولا في تدبيرهم مشير ولا ظهير. وكيف يستعين من لم يزل بمن لم يكن. ويستظهر من تقدس عن الذل بمن دخل تحت ذيل التكوين. ثم كلفهم معرفته. وجعل علم العالمين بعجزهم عن إدراكه إدراكًا لهم. كما جعل إقرار المقرين بوقوف عقولهم عن الإحاطة بحقيقته إيمانًا لهم. لا تلزمه لم. ولا يجاوره أين. ولا تلاصقه حيث. ولا تحله ما. ولا تعده كم. ولا تحصره متى. ولا تحيط به كيف. ولا يناله أين. ولا تظله فوق. ولا تقله تحت. ولا يقابله جزء. ولا تزاحمه عند. ولا يأخذه خلف. ولا يحده أمام. ولا تظهره قبل. ولم تفته بعد. ولم تجمعه كل. ولم توجده كان. ولم تفقده ليس. وصفه لا صفة له. وكونه لا أمد له. ولا تخالطه الأشكال والصور. ولا تغيره الآثار والغير. ولا تجوز عليه الحماسة والمقارنة. وتستحيل عليه المحاذاة والمقابلة. إن قلت لم كان فقد سبق العلل ذاته. ومن كان معلولًا كان له غيره علة تساويه في الوجود. وهو قبل جميع الأعيان. بل لا علة لأفعاله. فقدرة الله في الأشياء بلا مزاج. وصنعه للأشياء بلا علاج. وعلة كل شيء صنعه ولا علة لصنعه.
وإن قلت، أين هو؟ فقد سبق المكان وجوده. فمن أين الأين. لم يفتقر وجوده إلى أين. هو بعد خلق المكان. غني بنفسه كما كان قبل خلق المكان. وكيف يحل في ما منه بدا. أو يعود إليه ما أنشأ. وإن قلت ما هو؟ فلا ماهية له. ما موضوعة للسؤال عن الجنس، والقديم تعالى لا جنس له. لأن

1 / 2

الجنس مخصوص بمعنى داخل تحت الماهية.
وإن قلت كم هو؟ فهو واحد في ذاته. متفرد بصفاته.
وإن قلت متى كان؟ فقد سبق الوقت كونه.
وإن قلت كيف هو؟ فمن كيف الكيفية لا يقال له كيف. ومن جازت عليه الكيفية جاز عليه التغيير.
وإن قلت هو. فالهاء والواو خلقه. بل ألزم الكل الحدث كما قال بعض الأشياخ لأن القدم له. فالذي بالجسم ظهوره. فالعرض يلزمه. والذي بالأداة اجتماعه. فقواها تمسكه. والذي يؤلفه وقت. يفرقه وقت. والذي يقيمه غيره. فالضرورة تمسه. والذي الوهم يظفر به. فالتصوير يرتقي إليه. ومن آواه محل. أدركه أين. ومن كان له جنس طالبته كيف. وجوده إثباته. ومعرفته توحيده. وتوحيده تمييزه من خلقه. فما تصور في الأوهام فهو بخلافه. ولا تمثله العيون. ولا تخالطه الظنون. ولا تتصوره الأوهام. ولا تحيط به الأفهام. ولا تقدر قدره الأيام. ولا يحويه مكان. ولا يقارنه زمان. ولا يحصره أمد. ولا يشفعه ولد. ولا يجمعه عدد. قربه كرامته. وبعده إهانته علوه من غير توقل. ومجيئه من غير تنقل. وهو الأول والآخر. والظاهر والباطن. القريب البعيد. الذي ليس كمثله شيء وهو السميع البصير. وأشهد له بالربوبية والوحدانية. وبما شهد به لنفسه من الأسماء الحسنى. والصفات العلى. والنعت الأوفى. ألا له الخلق والأمر. تبارك الله رب العالمين. وأومن به وملائكته وكتبه ورسله. لا نفرق بين أحد من رسله ونحن له مسلمون. وأشهد أن محمدًا عبده ورسوله المصطفى. وأمينه المرتضى. أرسله إلى كافة الورى بشيرًا ونذيرًا. وداعيًا إلى الله بإذنه وسراجًا منيرًا. صلى الله عليه وعلى أهل بيته الطاهرين. وأصحابه المنتخبين. وأزواجه الطاهرات أمهات المؤمنين. وسلم تسليمًا.
أما بعد. فإنني لما نظرت في سير الأمم الماضية. والملوك الخالية وما وضعوه من السياسات في تدبير الدول. والتزموه من القوانين في حفظ النحل. وجدت ذلك نوعين: أحكامًا وسياسات.
فأما الأحكام المشتملة على ما اعتقدوه من الحلال والحرام والبيوع والأنكحة والطلاق والأجارات ونحوها والرسوم الموضوعة لها والحدود القائمة على من خالف شيئًا منها. فأمر اصطلحوا عليه بعقولهم ليس على شيء منه برهان ولا أنزل الله به من سلطان. ولا أخذوه عن تدبير. ولا اتبعوا فيه رسولًا. وإنما هي صادرة عن خدمة النيران. وسدنة بيوت الأصنام. وعبدة الأنداد والأوثان. وليس يعجز أحد من خلق الله ﷿ أن يصنع من تلقاء نفسه أشباهها ومثالها.
وأما السياسات التي وضعوا في التزام تلك الأحكام والذب عنها. والحماية لها. وتعظيم من عظمها. وإهانة من استهان بها وخالفها. فقد ساروا في ذلك بسيرة العدل. وحسن السياسة. وجمع القلوب عليها. والتزام النصفة فيما بينهم على ما توجبه تلك الأحكام.
فكذلك في تدبير الحروب وأمن السبيل، وحفظ الأموال، وصون الأعراض والحرم، كل ذلك قد ساروا فيه بسيرة جميلة لا تنافي العقول شيئًا منها لو كانت الأصول صحيحة والقواعد واجبة، فكانوا في حسن سيرتهم لحفظ تلك الأصول الفلسفية كمن زخرف كنيفًا أو بنى على ميت قصرًا منيفًا:
ولو لبس الحمار ثياب خز لقال الناس يا لك من حمار
فجمعت محاسن ما انطوت عليه سيرتهم خاصة من ملوك الطوائف وحكماء الدول، فوجدت ذلك في ست من الأمم وهم: العرب، والفرس، والروم، والهند، والسند، والسند هند.
فأما ملوك الصين وحكماؤها فلم يبلغ إلى أرض العرب من سياساتهم كبير شيء لبعد الشقة وطول المسافة.
وأما من عدا هؤلاء من الأمم فلم يكونوا أهل حكم بارعة، وقرائح نافذة، وأذهان

1 / 3

ثاقبة. وإنما صدر عنهم الشيء اليسير من الحكمة. فنظمت ما ألفيت في كتبهم من الحكمة البالغة، والسير المستحسنة، والكلمة اللطيفة، والطريقة المألوفة، والتوقيع الجميل، والأثر النبيل، إلى ما رويته وجمعته من سير الأنبياء ﵈، وآثار الأولياء، وبراعة العلماء، وحكمة الحكماء، ونوادر الخلفاء، وما انطوى عليه القرآن العزيز الذي هو بحر العلوم، وينبوع الحكم، ومعدن السياسات، ومغاص الجواهر المكنونات.
وقد رأيت أن أختصر لمحة دالة، وإشارة خفيفة. فإن طال فألفاظ بارعة، وآيات معجزة، وهو الهادي من الضلالة والحاوي لمحاسن الدنيا وفضائل الآخرة. ورتبته ترتيبًا أنيقًا، وترجمته تراجم بارعة، وحاوية لمقاطع ناطقة بحكمها أو مضمونها، تلج الأذن من غير إذن، وتتولج التامور من غير استثمار. ألفاظها قوالب لمعانيها، ليس ألفاظها إلى السمع بأسرع من معانيها إلى القلب.
فانتظم الكتاب بحمد الله وعونه وأحكمته غاية في بابه، غريبًا في فنونه وأسبابه، خفيف المحمل، كثير الفائدة لم تسبق إلى مثله أقلام العلماء، ولا جالت في نظمه أفكار الفضلاء، ولا حوته خزائن الملوك والرؤساء. فلا يسمع به ملك إلا استكتبه ولا وزيرًا إلا استصحبه، ولا رئيس إلا استحسنه واستوسده عصمة لمن عمل به من الملوك وأهل الرياسة، وجنة لمن تحصن به من أولى الأمرة والسياسة، وجمال لمن تحلى به من أهل الآداب والمحاضرة، وعنوان لمن فاوض به من أهل المجالسة والمذاكرة. وسميته سراج الملوك، يستغني الحكيم بدراسته عن مصاحبة الحكماء، والملك عن مشاورة الوزراء.
واعلموا، وفقكم الله إن أحق من أهديت إليه الحكم، وأوصلت إليه النصائح، وحملت إليه العلوم، من آتاه الله سلطانًا فنفذ في الخلق حكمه وجاز عليهم قوله. ولما رأيت الأجل المأمون تاج الخلافة، عز الإسلام، فخر الأيام، نظام الدين، خالصة أمير المؤمنين، أبا عبد الله محمد الآمري أدام الله لإعزاز الدين نصره، وأنفذ في العالمين بالحق أمره، وأوزع كافة الخلق شكره، وكفاهم محذوره وضره. قد تفضل الله تعالى به على المسلمين فبسط فيهم يده، ونشر في مصالح أحوالهم كلمته، وعرف الخاص والعام يمنه وبركته. وتقلد أمور الرعية، وسار فيهم على أحسن قضية، متحريًا للصواب، راغبًا في الثواب، طالبًا سبل العدل، ومناهج الإنصاف والفضل. رغبت أن أخصه بهذا الكتاب رجاء لطف الله تعالى في يوم تجد كل نفس ما عملت من سوء تود لو أن بينها وبينه أمدًا بعيدًا، ولتذكر فضائله ومحاسنه ما بقي الدهر:
الناس يهدون على قدرهم لكنني أهدي على قدري
يهدون ما يفنى فأهدي الذي يبقى على الأيام والدهر
فإن العلم عصمة الملوك والأمراء، ومعقل السلاطين والوزراء لأنه يمنعهم من الظلم، ويردهم إلى الحلم، ويصدهم عن الأذية، ويعطفهم على الرعية. فمن حقهم أن يعرفوا حقه، ويكرموا حملته، ويستنبطوا أهله، وما توفيقنا إلا بالله.

1 / 4

الباب الأول: في مواعظ الملوك
لقد خاب وخسر من كان حظه من الله الدنيا. اعلم أيها الرجل، وكلنا ذلك الرجل، أن عقول الملوك وإن كانت كبارًا إلا أنها مستغرقة بكثرة الأشغال فتستدعي من الموعظة ما يتولج على تلك الأفكار، ويتغلغل في مكامن الأسرار، فيرفع تلك الأستار ويفك تلك الأكنة والأقفال، ويصقل ذلك الصدأ والران؛ قال الله تعالى: ﴿قُلْ مَتَاعُ الدُّنْيَا قَلِيلٌ﴾ (النساء: ٧٧) . فوصف الله تعالى جميع متاع الدنيا بأنها متاع قليل. وأنت تعلم أنك ما أوتيت من ذلك القليل إلا قليلًا، ثم ذلك القليل إن تمتعت به ولم تعص الله فيه فهو لهو ولعب وزينة. قال الله تعالى: ﴿اعْلَمُوا أَنَّمَا الْحَيَاةُ الدُّنْيَا لَعِبٌ وَلَهْوٌ وَزِينَةٌ﴾ (الحديد: ٢٠) . ثم قال: ﴿وَإِنَّ الدَّارَ الْآخِرَةَ لَهِيَ الْحَيَوَانُ لَوْ كَانُوا يَعْلَمُونَ﴾ (العنكبوت: ٦٤) . فلا تبتع أيها العاقل لهوًا قليلًا يفنى بحياة الأبد حياة لا تفنى وشباب لا يبلى، كما قال الفضيل رحمه الله تعالى: لو كانت الدنيا ذهب يفنى، وكانت الآخرة خزفًا يبقى، لوجب أن نختار خزفًا يبقى على ذهب يفنى، فكيف وقد اخترنا خزفًا يفنى على ذهب يبقى؟ تأمل بعقلك هل آتاك الله تعالى من الدنيا ما آتى سليمان بن داود ﵉، حيث آتاه ملك جميع الدنيا والإنس والجن والطير والوحش والريح تجري بأمره رخاء حيث أصاب، ثم زاده الله تعالى ما هو خير منها فقال له تعالى: ﴿هَذَا عَطَاؤُنَا فَامْنُنْ أَوْ أَمْسِكْ بِغَيْرِ حِسَابٍ﴾ (صّ: ٣٩)
فوالله ما عدها نعمة كما عددتموها، ولا حسبها كرامة كما حسبتموها، بل قال عند ذلك: هذا من فضل ربي ليبلوني أأشكر أم أكفر. وهذا فصل الخطاب لمن تدبره أن يقول له ربه في معرض المنة: ﴿هَذَا عَطَاؤُنَا فَامْنُنْ أَوْ أَمْسِكْ بِغَيْرِ حِسَابٍ﴾ . ثم خاف سليمان ﵇ أن يكون استدراجًا من حيث لا يعلم. هذا وقد قال لك ولسائر أهل الدنيا: ﴿فَوَرَبِّكَ لَنَسْأَلَنَّهُمْ أَجْمَعِينَ*عَمَّا كَانُوا يَعْمَلُونَ﴾ (الحجر٩٣: ٩٢) .
وقال: ﴿وَإِنْ كَانَ مِثْقَالَ حَبَّةٍ مِنْ خَرْدَلٍ أَتَيْنَا بِهَا وَكَفَى بِنَا حَاسِبِينَ﴾ (الانبياء: ٤٧) .
تأمل بعقلك إلى ما روي عن النبي ﷺ أنه قال: لو كانت الدنيا تزن عند الله جناح بعوضة ما سقى كافرًا منها شربة ماء! وألق سمعك إلى ما نزل به جبريل على محمد ﵇، فقال: يا محمد، إن الله تعالى يقول لك عش ما شئت فإنك ميت، وأحبب من شئت فإنك مفارقه، واعمل ما شئت فإنك مجزي به. فانظر إلى ما اشتملت عليه هذه الكلمات من صرعة الموت وفراق الأحبة والجزاء على الأعمال، فلو لم ينزل من السماء غيرها لكانت كافية.
انظر بفهمك إلى ما رواه الحسن أن النبي ﷺ مر

1 / 6

بمنزل قوم قد ارتحلوا عنه، وإذا طلى مطروح فقال: أترون هذا هان على أهله؟ فقالوا: من هوانه عليهم ألقوه. قال: فو الذي نفسي بيده للدنيا أهون على الله من هذا على أهله. فجعل الدنيا أهون على الله من الجيفة المطروحة. وقال أبو هريرة: قال لي النبي ﷺ: ألا أريك الدنيا جمعًا بما فيها؟ قلت: بلى. قال، فأخذ بيدي وأتى بي إلى واد من أودية المدينة، فإذا مزبلة فيها رؤوس الناس وعذرات وخرق بالية وعظام البهائم، ثم قال: يا أبا هريرة هذه الرؤوس كانت تحرص حرصكم وتأمل آمالكم، ثم هي اليوم تساقط جلدًا بلا عظم ثم هي صائرة رمادًا رمددًا، وهذه العذرات ألوان أطعمتهم اكتسبوها من حيث اكتسبوها وقذفوها في بطونهم فأصبحت والناس يتحامونها، وهذه الخرق البالية رياشهم ولباسهم ثم أصبحت والرياح تصفقها، وهذه العظام عظام دوابهم التي كانوا ينتجعون عليها أطراف البلاد فمن كان باكيًا على الدنيا فليبك! فما برحنا حتى أشتد بكاؤنا.
وقال ابن عمر: أخذ رسول الله ﷺ ببعض جسدي فقال: يا عبد الله كن في الدنيا كأنك غريب أو عابر سبيل واعدد نفسك في الموتى. أيها الرجل، إن كنت لا تدري متى يفاجئك الأجل فلا تغتر بطول الأمل، فإنه يقسي القلب ويفسد العمل، وقد غير الله أقوامًا مد لهم في الأجل فقست منهم القلوب، وطال منهم الأمل، فقال:
﴿أَلَمْ يَأْنِ لِلَّذِينَ آمَنُوا أَنْ تَخْشَعَ قُلُوبُهُمْ لِذِكْرِ اللَّهِ وَمَا نَزَلَ مِنَ الْحَقِّ وَلا يَكُونُوا كَالَّذِينَ أُوتُوا الْكِتَابَ مِنْ قَبْلُ فَطَالَ عَلَيْهِمُ الْأَمَدُ فَقَسَتْ قُلُوبُهُمْ وَكَثِيرٌ مِنْهُمْ فَاسِقُونَ﴾ (الحديد: ١٦)
أحسنت ظنك بالأيام إذ حسنت ولم تخف سوء ما يأتي به القدر
وسالمتك الليالي فاغتررت بها وعند صفو الليالي يحدث الكدر
يا أيها الرجل ألق سمعك وأعرني لبك.
فإن كنت لا تدري متى الموت فاعلمن بأنك لا تبقى إلى آخر الدهر
أين آدم أبو الأولين والآخرين؟ أين نوح شيخ المرسلين؟ أين إدريس رفيع رب العالمين؟ أين إبراهيم خليل الرحمن الرحيم؟ أين موسى الكليم من بين سائر النبيين والمرسلين؟ أين عيسى روح الله وكلمته رأس الزاهدين وإمام السائحين؟ أين محمد خاتم النبيين؟ أين أصحابه الأبرار المنتخبون؟ أين الأمم الماضية؟ أين الملوك السالفة؟ أين القرون الخالية؟ أين الذين نصبت على مفارقهم التيجان؟ أين الذين اعتزوا بالأجناد والسلطان؟ أين أصحاب السطوة والولايات؟ أين الذين خفقت على رؤوسهم الألوية والرايات؟ أين الذين قادوا الجيوش والعساكر؟ أين الذين عمروا القصور والدساكر؟ أين الذين أعطوا النصر في مواطن الحروب والمواقف؟ أين الذين اقتحموا المخاطر والمخاوف؟ أين الذين دانت لهم المشارق والمغارب؟ أين الذين تمتعوا في اللذات والمآرب؟ أين الذين تاهوا على الخلائق كبرًا وعتيًا؟ أين الذين استلانوا الملابس أثاثًا ورئيًا؟ ﴿وَكَمْ أَهْلَكْنَا قَبْلَهُمْ مِنْ قَرْنٍ هُمْ أَحْسَنُ أَثَاثًا وَرِئْيًا﴾ (مريم: ٧٤)
أين الذين ملأوا ما بين الخافقين عزًا؟ أين الذين فرشوا القصور خزًا وقزًا؟ أين الذين تضعضعت لهم الأرض هيبة وهزًا؟ أين الذين استذلوا العباد قهرًا ولزًا؟ ﴿هَلْ تُحِسُّ مِنْهُمْ مِنْ أَحَدٍ أَوْ تَسْمَعُ لَهُمْ رِكْزًا﴾ (مريم: ٩٨) . أفناهم والله مفني الأمم وأبادهم مبيد الرمم، وأخرجهم من سعة القصور وأسكنهم ضنك القبور، تحت الجنادل والصخور، فأصبحوا لا ترى إلا مساكنهم فعاث الدود في أجسامهم، واتخذ مقيلًا في أبدانهم، فسالت

1 / 7

العيون على الخدود وامتلأت تلك الأفواه بالدود، وتساقطت الأعضاء وتمزقت الجلود، وتناثرت اللحوم وتقطعت البطون، فلم ينفعهم ما جمعوا ولا أغنى عنهم ما كسبوا، أسلمك الأحبة والأولياء وهجرك الأخوان والأصفياء ونسيك القرباء والبعداء. فأنسيت ولو نطقت لأنشدت قولنا عن سكان الثرى ورهائن الترب والبلى: شعر
مقيم بالحجون رهين رمس وأهلي رائحون بكل واد
كأني لم أكن لهم حبيبًا ولا كانوا الأحبة في السواد
فعوجوا بالسلام فإن أبيتم فأوموا بالسلام على بعاد
فإن طال المدى وصفا خليل سوانا فاذكروا صفو الوداد
وذاك أقل ما لك من حبيب وآخره إلى يوم التناد
فلو أنا بموقفكم وقفنا سقينا الترب من مهج الفؤاد
وقال مكرم بن يوسف العابد: أوحى الله تعالى إلى نبي من أنبياء بني إسرائيل: أن قف على المدائن والحصون وأبلغهم عني حرفين: لا يأكلوا إلا طيبًا ولا يتكلموا إلا بالحق. ولما دخل يزيد الرقاشي على عمر بن عبد العزيز قال: عظني يا يزيد! فقال: يا أمير المؤمنين، اعلم ما أنت أول خليفة يموت! فبكى عمر وقال: زدني يا يزيد. فقال: يا أمير المؤمنين ليس بينك وبين آدم إلا أب ميت! فبكى وقال: زدني يا يزيد. فقال: يا أمير المؤمنين ليس بينك وبين الموت موعد. فبكى وقال: زدني يا يزيد. فقال: يا أمير المؤمنين ليس بين الجنة والنار منزل! فسقط مغشيًا عليه.
يا أيها الرجل لا تغفل عن ذكر ما تتيقنه من وجوب الفناء وتقضي المسار وذهاب اللذات، وانقضاء الشهوات وبقاء التبعات وانقلابها حسرات، وإن الدنيا دار من لا دار له ومال من لا مال له، ولها يجمع من لا عقل له وعليها يعادي من لا علم له، وعليها يحسد من لا فقه له؛ من صح فيها سقم ومن سلم فيها برم، ومن افتقر فيها حزن ومن استغنى فيها فتن؛ حلالها حساب وحرامها عقاب ومتشابهها عتاب، من ساعاها فاتته ومن قعد عنها أتته، ومن نظر إليها أعمته ومن تبصر بها بصرته، لا خيرها يدوم ولا سرورها يبقى ولا فيها المخلوق بقا.
يا أيها الرجل لا تخدعن كما خدع من قبلك، فإن الذي أصبحت فيه من النعم إنما صار إليك بموت من كان قبلك، وهو خارج من يدك مثل ما صار إليك، فلو بقيت الدنيا للعالم لم تصر للجاهل، ولو بقيت للأول لم تنتقل للآخر. يا أيها الرجل لو كانت الدنيا كلها ذهبًا وفضة، ثم سلمت عليك بالخلافة وألقت إليك مقاليدها وأفلاذ كبدها، ثم كنت طريدة للموت ما كان ينبغي لك أن تهنأ بعيش، ولا فخر فيما يزول ولا غنى فيما يفنى، وهل الدنيا إلا كما قال الأول: قدر يغلي وكنيف يملأ؟ وكما قال الشاعر:
ولقد سألت الدار عن أخبارهم فتمايلت عجبًا ولم تبدي
حتى مررت على الكنيف فقال لي أموالهم ونوالهم عندي!
ولقد أصاب ابن السماك لما قال له الرشيد: يا ابن السماك عظني، وبيده شربة من ماء، فقال: يا أمير المؤمنين أرأيت لو حبست عنك هذه الشربة أكنت تفديها بملكك؟ قال: نعم. قال: يا أمير المؤمنين أرأيت لو حبس عنك خروجها أكنت تفديها بملكك؟ قال: نعم. قال: فلا خير في ملك لا يساوي شربة ولا بولة! يا أيها الشاب لا تغتر بشبابك فإن أكثر من يموت الشباب. والدليل عليه أن أقل الناس الشيوخ. يا أيها الشاب كم من جمل في التنور وأبوه يرعى؟ وكم من طفل في التراب وجده يحيا؟

1 / 8

وقال علي بن أبي طالب ﵁ لأسقف قد أسلم: عظني. فقال: يا أمير المؤمنين إن كان الله عليك فمن ترجو؟ قال: أحسنت فزدني. قال: إن كان الله معك فمن تخاف؟ قال: أحسنت فزدني. قال: أحسب أن الله قد غفر للمذنبين، أليس قد فاتهم ثواب المحسنين؟ قال: حسبي حسبي وبكى علي أربعين صباحًا. وقال الحسن: قدم صعصعة يعني عم الفرزدق على النبي ﷺ فسمعه يقرأ: ﴿فَمَنْ يَعْمَلْ مِثْقَالَ ذَرَّةٍ خَيْرًا يَرَهُ*وَمَنْ يَعْمَلْ مِثْقَالَ ذَرَّةٍ شَرًّا يَرَهُ﴾ (الزلزلة٨: ٧)
فقال: حسبي حسبي لا أبالي أن لا أسمع آية غيرها. وقال سليمان بن عبد الملك الحميد الطويل: عظني. فقال: إن كنت قد عصيت الله وظننت أنه يراك فلقد اجترأت على رب عظيم، وإن كنت تظن أنه لا يراك فلقد كفرت برب كريم.
وكتب علي بن أبي طالب ﵁ إلى سليمان: إنما مثل الدنيا كمثل الحية لين لمسها ويقتل سمها، فأعرض عنها وعن ما يعجبك منها لقلة ما يصحبك منها، ودع عنك همومها لما تيقنت من فراقها، وكن أسر ما تكون فيها أحذر ما تكره منها، فإن صاحبها كلما اطمأن فيها إلى سرور أشخص منها إلى مكروه. وقال أبو العتاهية:
هي الدار دار الأذى والقذى ودار الغرور ودار الغير
فلو نلتها بحذافيرها لمت ولم تقض منها الوطر
أيا من يؤمل طول الحياة وطول الحياة عليه خطر
إذا ما كبرت وبان الشباب فلا خير في العيش بعد الكبر
ولما بلغ مردك من الدنيا أفضل ما سمت إليه نفسه ورقت إليه همته، رفضها ونبذها وقال: هذا سرور لولا أنه غرور، ونعيم لولا أنه عديم، وملك لولا أنه هلك، وغنى لولا أنه فناء، وجسيم لولا أنه ذميم، ومحمود لولا أنه مفقود، وغناء لولا أنه منًا، وارتفاع لولا أنه اتضاع، وعلا لولا أنه بلا، وحسن لولا أنه حزن، وهو يوم لو وثق له بغد. يا أيها الرجل لا تكن كالمنخل يرسل أطيب ما فيه ويمسك الحثالة. واعلم أن من قسا قلبه لا يقبل الحق وإن كثرت دلائله، قال الله تعالى: ﴿فَقُلْنَا اضْرِبُوهُ بِبَعْضِهَا كَذَلِكَ يُحْيِي اللَّهُ الْمَوْتَى وَيُرِيكُمْ آيَاتِهِ لَعَلَّكُمْ تَعْقِلُونَ*ثُمَّ قَسَتْ قُلُوبُكُمْ مِنْ بَعْدِ ذَلِكَ فَهِيَ كَالْحِجَارَةِ أَوْ أَشَدُّ قَسْوَةً﴾ (البقرة٧٤: ٧٣) .
وذلك أن كثرة الذنوب مانعة من قبول الحق للقلوب وولوج المواعظ فيها. قال الله تعالى: ﴿كَلَّا بَلْ رَانَ عَلَى قُلُوبِهِمْ مَا كَانُوا يَكْسِبُونَ﴾ (المطففين: ١٤)، أي غطاها وغشيها فلا تقبل خيرًا ولا تصلح لموعظة.
جاء في التفسير: إذا أذنب العبد ذنبًا نكتت في قلبه نكتة سوداء، ثم إذا أذنب نكتت في قلبه نكتة سوداء، ثم كلما أذنب نكتت نكتة سوداء حتى يسود القلب. وقال حذيفة: القلب كالكف فإذا أذنب العبد انقبض وقبض إصبعًا، ثم إذا أذنب انقبض وقبض إصبعًا أخرى، ثم كذلك في الثالث والرابع حتى ينقبض الكف كله ثم يطبع الله عليه، وذلك هو الران.
وقال بكر بن عبد الله:
إذا أذنب العبد صار في قلبه كوخز الإبرة، ثم كلما أذنب صار فيه كوخز الإبرة، ثم كلما أذنب صار فيه كوخز الإبرة حتى يعود القلب كالمنخل. وقال الحسن: هو الذنب على الذنب حتى يموت القلب. وقال ابن شبرمة: إذا كان البدن سقيمًا لم ينفعه الطعام، وإذا كان القلب مغرمًا بحب الدنيا لم تنفعه الموعظة. وقد قيل:
إذا قسا القلب لم تنفعه موعظة كالأرض إن سبحت لم ينفع المطر

1 / 9

ويروي أن أبا العتاهية مر بدكان وراق، فإذا كتاب فيه بيت من الشعر:
لن ترجع الأنفس عن غيها ما لم يكن منها لها زاجر
فقال: لمن هذا؟ فقيل: لأبي نواس. فقال: وددت أنه لي بنصف شعري! وقال الأصمعي: إن النعمان بن امرئ القيس الأكبر الذي بنى الخورنق أشرف على الخورنق يومًا، فأعجبه ما أوتي من الملك والسعة ونفوذ الأمر وإقبال الوجوه عليه، فقال لأصحابه: هل أوتي أحد مثل ما أوتيت؟ فقال له حكيم من حكماء أصحابه: أهذا الذي أوتيت شيء لم يزل ولا يزول، أم شيء كان لمن قبلك زال عنه وصار إليك؟ قال: بل شيء كان لمن قبلي زال عنه وصار إلي وسيزول عني! قال فسررت بشيء تذهب عنك لذته وتبقى تبعته! قال: فأين المهرب؟ قال: إما إن تقيم وتعمل بطاعة الله، أو تلبس أمساحًا وتلحق بجبل تعبد ربك فيه وتفر من الناس حتى يأتيك أجلك. قال: فإذا فعلت ذلك فما لي؟ قال: حياة لا تموت وشباب لا يهرم، وصحة لا تسقم وملك جديد لا يبلى. قال: فأي خير فيما يفنى؟ والله لأطلبن عيشًا لا يزول أبدًا! فانخلع من ملكه ولبس الأمساح وساح في الأرض، وتبعه الحكيم وجعلا يسيحان ويعبدان الله تعالى حتى ماتا؛ وفيه يقول عدي بن زيد:
سر رب الخورنق إذ أصـ بح يومًا وللهدى تذكير
غره ماله وكثرة ما يمـ لك والبحر معرضًا والسدير
فارعوى قبله وقال فما غبـ طة حي إلى الممات يصير؟
أين كسرى كسرى الملوك أنوشر وان أم أين قبله سابور؟
وبنو الأصفر ملوك الـ روم لم يبق منهم مذكور
لم يهبه ريب المنون فباد الـ ملك عنه فبابه مهجور
وفيهم أيضا يقول الأسود بن يعفر:
ولقد علمت سوى الذي نبأتني
أن السبيل سبيل ذي الأعواد ماذا أؤمل أل محرق
تركوا منازلهم وبعد إياد؟ أرض الخورنق والسدير وبارق
والقصر ذي الشرفات مع سنداد
نزلوا يسيل عليهم ماء الفرات يجيء من أطواد
جرت الرياح على محل ديارهم فكأنما كانوا على ميعاد
فأرى النعيم وكل ما يلهى به يومًا يصير إلى بلى ونفاد
وقال وهب بن منبه: أصبت على غمدان وهو قصر سيف بن ذي يزن بأرض صنعاء اليمن، وكان من الملوك الأجلة مكتوبًا بالقلم المسند فترجم العربية، فإذا هي أبيات جليلة وموعظة عظيمة:
باتوا على قلل الأجبال تحرسهم غلب الرجال فلم تنفعهم القلل
واستنزلوا من أعالي معقلهم فأسكنوا حفرًا يا بئس ما نزلوا!
ناداهم صارخ من بعد ما دفنوا: أين الأسرة والتيجان والحلل؟
أين الوجوه التي كانت محجبة من دونها تضرب الأستار والكلل؟
فأفصح القبر عنهم حين ساءلهم: تلك الوجوه عليها الدود يقتتل

1 / 10

قد طالما أكلوا يومًا وما شربوا فأصبحوا بعد ذاك الأكل قد أكلوا!
قال شيخنا ﵀: قرئ على القاضي أبي الوليد الباجي وأنا أسمع لبعض الشعراء:
ويحك يا أسماء ما شاني أضللني والله ما ساني!
الموت حق فاعلمي نازل فبشري لحدي وأكفاني
قد كنت ذا مال فلا والذي أعطاني العيش وأغناني
ما قرت العين به ساعة إلا تذكرت فأشجاني
علمي بأني صائر للبلى وفاقد أهلي وجيراني
وتارك مالي على حاله نهبًا لشيطان بن شيطان
لامرأة ابني أو لزوج ابنتي يا لك من غي وخسران!
يسعد في مالي وأشقى به قوم ذوو غل وشنان
إن أحسنوا كان لهم أجره وخف من ذلك ميزاني
وممن استبصر من أبناء الملوك، فرأى عيب الدنيا وفناءها وتقضيها وزوالها، إبراهيم بن أدهم بن منصور من أبناء ملوك خراسان من كورة بلخ، ولما زهد في الدنيا زهد عن ثمانين سريرًا. قال إبراهيم بن بشار: سألت إبراهيم بن أدهم كيف كان بدء أمرك حتى صرت إلى هذا؟ قال: غير هذا أولى بك! قلت: يرحمك الله لعل الله ينفعني به يومًا ما. ثم سألته ثانية فقال: ويحك اشتغل بالله سبحانه! ثم سألته ثالثة فقلت: إن رأيت يرحمك الله أن تخبرني به لعل الله أن ينفعني به. فقال: كان أبي من ملوك خراسان وكان من المياسير وكان قد حبب إلي الصيد، فبينما أنا راكب فرسًا ومعي كلبي، فأثرت أرنبًا أو ثعلبًا، فحركت فرسي فسمعت نداء من ورائي: يا إبراهيم ليس لهذا خلقت ولا بهذا أمرت! فوقفت أنظر يمنة ويسرة فلم أر أحدًا فقلت في نفسي: لعن الله الشيطان، ثم حركت فرسي فسمعت نداء أقوى من الأول: يا إبراهيم ليس لهذا خلقت ولا بهذا أمرت! فوقفت مقشعرًا وجعلت أنظر يمنة ويسرة فلم أر شيئًا فقلت: لعن الله إبليس! ثم حركت فرسي فسمعت نداء من قربوس سرجي: يا إبراهيم ليس لهذا خلقت ولا بهذا أمرت! فوقفت وقلت: هيهات قد جاءني النذير من رب العالمين، والله لا عصيت ربي ما عصمني بعد يومي هذا! فتوجهت إلى أهلي وخلفت فرسي، وجئت إلى بعض رعاة أبي فأخذت جبته وكساءه وألقيت إليه ثيابي، فلم تزل أرض تقلني وأرض تضعني، حتى صرت إلى العراق وعملت بها أيامًا فلم يصف لي شيء من الحلال، فسألت المشايخ عن الحلال، فقال: عليك بالشام. قال: فانصرفت إلى الشام إلى مدينة يقال لها المنصورية وهي المصيصة، فعملت بها أيامًا فلم يصف لي منها شيء من الحلال، فسألت بعض المشايخ فقال: إن أردت الحلال فعليك بطرطوس، فإن العمل بها والمباحات كثير. قال: فبينما أنا قاعد على باب البحر إذ جاءني رجل فاكتراني أنظر له بستانًا، فتوجهت معه فمكثت في البستان أيامًا كثيرة، فإذا بخادم قد أظلل ومعه أصحاب له، ولو علمت أن البستان لخادم ما نظرته، فقعد في مجلسه ثم قال: يا ناظورنا.
فأجبته، قال: اذهب فأتنا بأكبر رمان تقدر عليه وأطيبه. فأتيته برمان فأخذ الخادم رمانة فكسرها فوجدها حامضة، فقال: يا ناظورنا أنت منذ كذا وكذا في بستاننا تأكل من فاكهتنا ورماننا لا تعرف الحلو من الحامض؟ قلت: والله ما أكلت من فاكهتكم شيئًا وما أعرف الحلو من الحامض! قال: فغمز الخادم أصحابه

1 / 11

وقال: ألا تعجبون من هذا؟ ثم قال لي: لو كنت إبراهيم بن أدهم ما زاد على هذا! فلما كان من الغد حدث الناس في المسجد بالصفة، فجاء الناس عنقًا إلى البستان، فلما رأيت كثرة الناس اختبأت والناس داخلون وأنا هارب منهم. وكان إبراهيم بن أدهم يأكل من عمل يده مثل الحصاد وحفظ البساتين والعمل في الطين. وكان يومًا يحفظ كرمًا فمر به جندي فقال: أعطنا من هذا العنب. فقال: ما أمرني صاحبه. فأخذ يضربه بالسوط فطأطأ رأسه وقال: اضرب رأسًا طالما عصى الله. فانحجز الرجل ومضى. وقال سهل بن إبراهيم: صحبت إبراهيم بن أدهم فمرضت فأنفق علي نفقته، فاشتهيت شهوة فباع حماره وأنفق علي، فلما تماثلت قلت: يا إبراهيم أين الحمار؟ فقال: بعته. قلت: فعلام أركب؟ قال: يا أخي على عنقي! قال: فحملني ثلاث منازل ﵀. وأنشدوا:
أيها المرء إن دنياك بحر طافح موجه فلا تأمننها
وسبيل النجاة فيها منير وهو أخذ الكفاف والقوت منها
وبلغني أن بالهند يومًا يخرج الناس فيه إلى البرية فلا يبقى في البلد بشر من طين: لا شيخ كبير ولا مولود صغير، وهذا اليوم يكون بعد انقراض مائة سنة من يوم مثله، فإذا اجتمع الخلائق في صعيد واحد نادى منادي الملك، لا تصعدون هذا الحجر الحجر هناك منصوب إلا من حضر في المجمع الأول الذي قد خلا من مائة سنة، فربما جاء الشيخ الهرم الذي قد ذهبت قوته وعمي بصره وفني شبابه، وتجيء العجوز تزحف لم يبق منها إلا رسمها وقد أخنى الدهر عليها، فيصعدان على الحجر الذي هناك، وربما لم يجئ أحد وقد يكون قد فنى القرن بأسره. ويقول الشيخ: قد حضرت المجمع الأول منذ مائة سنة وأنا طفل صغير، وكان الملك فلانًا، ويصف الجيوش الماضية والأمم الخالية وكيف طحنهم البلى، وصاروا تحت أطباق الثرى، ويقوم خطيبهم فيعظ الناس ويذكرهم صرعة الموت وحسرة الفوت، فيبكي الناس ويتوبون من المظالم، ويكثرون الصدقات ويخرجون عن التبعات ويصلحون على ذلك مدة.
وقال وهب بن منبه: صحب رجل بعض الرهبان سبعة أيام ليستفيد منه شيئًا، فوجده مشغولًا بذكر الله تعالى والفكر لا يفتر، فالتفت إليه في اليوم السابع فقال: يا هذا قد علمت ما تريد، حب الدنيا رأس كل خطيئة والزهد رأس كل خير والتوفيق تاج كل خير، فاحذر رأس كل خطيئة وارغب في رأس كل خير، وتضرع إلى ربك أن يهب لك تاج كل خير. قال: فكيف أعرف ذلك؟ قال: كان جدي رجلًا من الحكماء قد شبه الدنيا بسبعة أشياء: فشبهها بالماء الملح يغر ولا يروي ويضر ولا ينفع، وبالبرق الخلب يغر ولا ينفع، وبسحاب الصيف يمر ولا ينفع، وبظل الغمام يغر ولا يخذل، وبزهر الربيع ينضر ثم يصفر فتراه هشيمًا، وبأحلام النائم يرى السرور في منامه فإذا استيقظ لم يكن في يده إلا الحسرة، وبالعسل المشوب بالسم الزعاف يغر ويقتل.
فتدبرت هذه الأحرف السبعة سبعين سنة، ثم زدت حرفًا واحدًا فشبهتها بالغول التي تهلك من أجابها وتترك من أعرض عنها، فرأيت جدي في المنام فقال لي: يا بني أشهد أنك مني وأنا منك، وهي والله كالغول التي تهلك من أجابها وتترك من أعرض عنها! قلت: فبأي شيء يكون الزهد في الدنيا؟ قال: باليقين، واليقين بالبصر، والبصر بالعين، والعين بالفكر. ثم وقف الراهب فقال: خذها منا فلا أراك خلفي إلا متجردًا بفعل دون قول، فكان ذلك آخر العهد به. قلت: قد وصف الله الدنيا وأهلها بصفة أعم من هذه الصفة، فقال ﷾: ﴿اعْلَمُوا أَنَّمَا الْحَيَاةُ الدُّنْيَا لَعِبٌ وَلَهْوٌ وَزِينَةٌ وَتَفَاخُرٌ بَيْنَكُمْ وَتَكَاثُرٌ فِي الْأَمْوَالِ وَالْأَوْلادِ كَمَثَلِ

1 / 12