894

Al-ṭabīʿiyyāt min kitāb al-Shifāʾ

الطبيعيات من كتاب الشفاء

وربما كان العلم القريب (1) جاريا مجرى التنبيه ، وكان مع خفة المئونة فيه كالمذهوب عنه ، فلا ترجع الفطنة إلى طريقه لضعف الفهم ، فيحتاج أن يؤخذ فيه مأخذ بعيد.

فبين من هذا أن لهذه القوى مجمعا هو الذي تؤدى كلها إليه ، وأنه غير جسم وإن كان مشاركا للجسم أو غير مشارك. وإذ قد بينا صحة هذا الرأى (2) فيجب أن نحل الشبه المذكورة.

أما الشبهة الأولى ، فنقول : إنه ليس يجب إذا كانت النفس واحدة الذات أن لا تفيض عنها فى أعضاء مختلفة قوى مختلفة ، بل من الجائز أن يكون أول (3) ما يفيض عنها فى البزر والمنى قوة الإنشاء ، فتنشىء (4) أعضاء على حسب موافقة أفعال (5) تلك القوة. ويستعد كل عضو لقبول قوة خاصة لتفيض عنه ، (6) ولو لا ذلك لكان خلق البدن معطلا لها.

وأما من تشكك فجعل النفس عالمة لذاتها (7) فهو فاسد ، فإنه ليس يجب إذا كان جوهر النفس خاليا بذاته عن العلم أن يستحيل له وجود العلم. فإنه فرق بين أن يقال : إن جوهر الشىء باعتبار ذاته لا يقتضى العلم ، وبين أن يقال : إن جوهره بذلك الاعتبار يقتضى أن لا يعلم ، فإن لزوم الجهل مع كل واحد من القولين مختلف. فإنا وإن (8) سلمنا أن النفس بجوهرها جاهلة ، فإنما نعنى أن جوهرها إذا انفرد ولم يتصل به سبب من خارج لزمه الجهل ، بشرط الانفراد مع شرط الجوهر ، لا بشرط الجوهر وحده. ولسنا نعنى بهذا أن جوهرها جوهر لا يعرى عن الجهل ، وإن لم نسلم ، بل قلنا : إن ذلك أمر عارض لها ، فليس يجب أن يكون مثل هذا العارض واردا على الأمر الطبيعى ، فإنه ليس إذا قلنا : إن الخشبة خالية عن صورة السريرية ، وأن ذلك الخلو ليس لجوهرها ، (9) بل أمر عارض لها (10) جائز الزوال. كان هذا القول كأنك (11) تقول : يجب أن يكون قد كانت فيه (12) صورة السريرية ثم انفسخت. (13)

Page 227