852

Al-ṭabīʿiyyāt min kitāb al-Shifāʾ

الطبيعيات من كتاب الشفاء

أنه (1) يوقع (2) رأيا فى أمر جزئى مستقبل من الأمور الممكنة ، لأن الواجبات والممتنعات (3) لا يروى فيها لتوجد أو تعدم ، وما مضى أيضا لا يروى فى إيجاده على أنه ماض. فإذا (4) حكمت هذه القوة تبع حكمها حركة القوة الإجماعية إلى تحريك البدن ، كما كانت تتبع أحكام قوى أخرى فى الحيوانات ، وتكون هذه القوة استمدادها من القوة التي (5) على الكليات ، فمن هناك تأخذ المقدمات الكبرى فيما تروى وتنتج فى الجزئيات. فالقوة الأولى للنفس الإنسانية قوة تنسب إلى النظر فيقال عقل نظرى ؛ وهذه (6) الثانية قوة تنسب إلى العمل فيقال عقل عملى ؛ وتلك (7) للصدق والكذب وهذه (8) للخير والشر فى الجزئيات ، وتلك (9) للواجب والممتنع والممكن وهذه (10) للقبيح والجميل والمباح ، ومبادئ تلك من المقدمات الأولية ومبادئ هذه من المشهورات والمقبولات والمظنونات والتجربيات الواهية التي تكون من المظنونات غير التجربيات الوثيقة. ولكل واحدة من هاتين القوتين (11) رأى وظن ، فالرأى هو الاعتقاد المجزوم به ، والظن هو الاعتقاد المميل إليه مع تجويز الطرف الثاني. وليس كل من ظن فقد اعتقد ، كما ليس كل من أحس فقد عقل ، أو من تخيل فقد ظن أو اعتقد أو رأى ، فيكون فى الإنسان حاكم حسى وحاكم من باب التخيل وهمى وحاكم نظرى وحاكم عملى ، وتكون المبادي الباعثة لقوته الإجماعية على تحريك الأعضاء وهم خيالى وعقل عملى (12) وشهوة وغضب ، (13) وتكون للحيوانات الأخرى ثلاثة من هذه.

والعقل العملى يحتاج فى أفعاله كلها إلى البدن وإلى القوى (14) البدنية ، وأما العقل النظرى فإن له حاجة ما إلى البدن وإلى قواه لكن لا دائما ومن كل وجه ، بل قد يستغنى بذاته. وليس لا واحد منهما هو النفس الإنسانية ، بل النفس هو الشىء الذي له هذه القوى. (15) وهو (16) كما تبين جوهر منفرد وله استعداد نحو

Page 185