834

Al-ṭabīʿiyyāt min kitāb al-Shifāʾ

الطبيعيات من كتاب الشفاء

هى مقبلة عليه بغيره. وأما الشبان فلحرارتهم واضطراب حركاتهم مع يبس مزاجهم لا يكون ذكرهم كذكر (1) الصبيان والمترعرعين ، والمشايخ أيضا يعرض لهم من الرطوبة الغالبة أن لا يذكروا ما يشاهدون.

وقد يعرض مع التذكر (2) من (3) الغضب والحزن والغم وغير ذلك ما يشاكل حال وقوع (4) الشىء ، وذلك أنه لم يكن سبب وقوع الغم والحزن والغضب فيما مضى إلا انطباع (5) هذه الصورة فى باطن (6) الحواس ، فإذا عادت فعلت ذلك أو قريبا منه ، والأمانى والرجاء أيضا (7) تفعل ذلك ، والرجاء غير الأمنية ، فإن الرجاء تخيل أمر ما مع حكم أو ظن بأنه فى الأكثر كائن ، وأما الأمنية (8) فهى (9) تخيل أمر وشهوته والحكم بالتذاذ يكون إن كان ، والخوف مقابل (10) الرجاء على سبيل التضاد ، واليأس عدمه ، وهذه كلها أحكام (11) للوهم.

فلنقتصر الآن على ما قلناه من أمر القوى المدركة الحيوانية ، ولنبين أنها كلها تفعل أفعالها (12) بالآلات (13)، فنقول : أما المدرك من القوى للصور الجزئية الظاهرة على هيئة غير تامة التجريد والتفريد عن المادة ولا مجردة أصلا عن علائق المادة كما تدرك (14) الحواس الظاهرة ، فالأمر فى احتياج إدراكه إلى آلات جسمانية (15) واضح سهل. وذلك لأن هذه الصور إنما تدرك ما دامت المواد حاضرة موجودة ، والجسم الحاضر الموجود إنما يكون حاضرا موجودا عند جسم ، وليس يكون حاضرا مرة وغائبا أخرى عند ما ليس بجسم ، فإنه لا نسبة له إلى قوة مفردة من جهة الحضور والغيبة. فإن الشىء الذي ليس فى مكان لا تكون للشىء المكانى إليه نسبة فى الحضور عنده (16) والغيبة عنه ، بل الحضور لا يقع إلا على وضع وبعد (17) للحاضر عند المحضور. وهذا

Page 166