Al-ṭabīʿiyyāt min kitāb al-Shifāʾ
الطبيعيات من كتاب الشفاء
ومن الناس من جعل المتوسط عائقا ، (1) وقال إنه (2) لو (3) كان المتوسط كلما كان أرق كان أدل ؛ (4) فلو لم يكن ، بل كان خلاء صرف ، لتمت الدلالة ، ولأبصر (5) الشىء أكبر مما يبصر ، حتى كان يمكن أن تبصر نملة فى السماء ، وهذا كلام باطل ، فليس إذا أوجب رقته زيادة ، يجب (6) أن يكون عدمه يزيد أيضا فى ذلك ، فإن الرقة ليس هى (7) طريقا (8) إلى عدم الجسم. وأما (9) الخلاء فهو عدم الجسم عندهم ، بل لو كان الخلاء موجودا لما كان بين المحسوس والحاس المتباينين موصل البتة ، ولم يكن فعل ولا انفعال. (10)
ومن الناس من ظن شيئا آخر وهو أن الحاس المشترك أو النفس متعلق بالروح ، وهو جسم لطيف ، سنشرح حاله بعد ، وأنه آلة (11) الإدراك ، وأنه وحده يجوز أن يمتد إلى المحسوسات فيلاقيها أو يوازيها أو يصير منها بوضع ذلك الوضع يوجب الإدراك. وهذا المذهب أيضا فاسد ، فإن الروح لا يضبط جوهره إلا فى هذه الوقايات التي تكتنفه ، (12) وأنه إذا خالطه شىء من خارج أفسد جوهره مزاجا وتركيبا. ثم ليس له حركة انتقال خارجا وداخلا ، ولو كان له هذا لجاز أن يفارق الإنسان ويعود إليه ، فيكون للإنسان أن يموت وأن يحيا (13) باختياره فى ساعته ولو كان (14) الروح بهذه الصفة لما احتيج إلى الآلات البدنية ، فالحق أن الحواس محتاجة إلى الآلات الجسدانية ، وبعضها إلى وسائط ، فإن (15) الإحساس انفعال ما ، لأنه قبول منها لصورة المحسوس ، واستحالة ، إلى مشاكلة المحسوس بالفعل ، فيكون (16) الحاس بالفعل مثل المحسوس بالفعل ، والحاس بالقوة مثل المحسوس بالقوة ، والمحسوس بالحقيقية القريب هو ما يتصور به الحاس من صورة المحسوس. فيكون الحاس من وجه (17) ما ، يحس ذاته لا
Page 56