646

Al-ṭabīʿiyyāt min kitāb al-Shifāʾ

الطبيعيات من كتاب الشفاء

سحابا يتولد مع مثله هذا الأثر ، وكان ذلك السحاب مشرفا شاهقا وجهته حيث (1) جهة الجبل. وظهر (2) الأثر ، فوقع بصرى (3) أول ما وقع على ذروته ومنتصف (4) قوسه ، (5) وتخيلت أنه فى ذلك السحاب ، فلما تأملت أسافله ، كان قائما فيما بيننا وبين الجبل قياما فى الجو ، وأنه لو لا الجبل لكان يتوهم أنه فى السحاب الكدر. ورأيت القوس مرة وهى (6) مرتسمة فى الجو المصحى قدام جبل ، إلا أن ذلك الجو رطب (7) مائى من غير ضباب ولا شىء ، وكان (8) موضعه ما بيننا وبين الجبل لا يزيد عليه ارتفاعه. ورأيت مرة أخرى قوسين عظيمتين (9) تلى ذروتيهما وأوسط (10) حدبتيهما سحاب ، ويلى طرفيهما (11) جبال ، (12) فيرى كل واحد (13) منهما (14) كأنه مرتسم على الجبل وعلى السحاب ؛ (15) وذلك لأن البصر لا يفرق بين شفيفه وبين ما خلفه ، فيرى كأنه ملتصق به.

وقد تواترت منى هذه التجربة بعد ذلك مرارا ، فظهر لى أن السحاب الكدر ليس يصلح أن يكون مرآة البتة لحدوث هذا الخيال ، وإنما ينعكس للبصر (16) منه عن هواء رطب منتشر فيه أجزاء صغار من الماء مشفة صافية كالرش ، وليست بحيث تكدر وتزيل الإشفاف ، لكنها (17) إذا لم يكن وراءها ملون لم تكن مرآة. وذلك كالبلورة ، فإنها إذا سترت (18) من الجانب الآخر صارت مرآة فى الجهة التي تليك ، وإن لم تستر وتركت ووراءها فضاء مشف غير محصور لم تكن مرآة. فيجب أن يكون فى أكثر الأمر وراء هذا الهواء الرطب شىء لا يشف : إما جبل ، وإما سحاب (19) مظلم ، حتى يرتسم هذا الأثر (20) منعكسا عن الأجزاء المائية الشافة المنتشرة (21) الواقعة فى الجو ، دون البخارية الكدرة ؛ فإنها إذا كانت بخارية كدرة لم تصلح لذلك.

Page 51