607

Al-ṭabīʿiyyāt min kitāb al-Shifāʾ

الطبيعيات من كتاب الشفاء

الحرارة فى ضمنها ، وحبس (1) البخار المتصعد منها ، (2) حتى يقوى اجتماعه ويعد (3) بقوته منفذا يندفع منه إلى خارج ، وقد تكاثف واستحال مياها ، وصار عيونا. فيكاد أن (4) يكون ما تستقر عليه الجبال مملوءا ماء ، ويكون مثل الجبل فى حقنه الأبخرة وإلجائه إياها إلى فجر العيون ، مثل الإنبيق الصلب من حديد أو زجاج أو غيره مما يعد (5) للتقطير ، (6) فإنه إن كان سخيفا متخذا من خشب متخلخل أو خزف (7) متخلخل لم يحقن بخارا كثيرا ، ولم يقطر منه شىء يعتد به ، وإذا كان من جوهر صلب لم يدع شيئا من البخار يتفشى ويتحلل ، بل جمع كله ماء وقطره. فالجبال (8) كالأنبيق ، وقعر الأرض التي تحته كالقرع ، والعيون كالمثاعب ، والأذناب التي فى الأنابيق والأودية والبحار (9) كالقوابل. فلذلك ما يرى من أن أكثر العيون إنما يتفجر من الجبال ونواحيها ، وأقلها فى البرارى ؛ وذلك الأقل لا يكون أيضا إلا حيث تكون أرض (10) صلبة ، أو فى جوار أرض صلبة. فاذا (11) تتبعت الأودية المعروفة فى العالم ، وجدتها منبعثة (12) من (13) عيون جبلية ، وقد ذكر ذلك وشرح فى كتب عملت فى هذا الشأن. ونحن (14) نتحيل (15) بذلك عليها ، فلتقرأ من هناك ، فإنها خبرته. (16)

وكما أن أكثر العيون والأودية من الجبال ، فكذلك أكثر السحب تكون من الجبال ، وتجتمع فى الجبال من الأسباب ما لا تجتمع فى مواضع أخرى. من ذلك أنه يعرض للبخارات بها من الاحتقان والتقوى ما يفجر العيون ، فكيف حالها إذا تصعدت وهى بعد أبخرة. فإنها لقوتها فى اندفاعها ولكثافة جرمها لا تتحلل بسرعة ، بل يكون لها أن تندفع إلى الحيز المبرد والعاقد للبخار من أحياز طبقات الهواء.

ويعرض لهذا السبب عونان آخران :

أحدهما : أن فى باطن الجبال من النداوات ما لا يكون فى باطن الأرضين الرخوة.

والثاني : أن الجبال يبقى على ظاهرها من الثلوج والأنداء ما لا يبقى على ظاهر سائر الأرضين. وذلك أن الجبال بسبب ارتفاعها تكون أبرد من أديم القرار ، فقد علم أن

Page 11