Al-ṭabīʿiyyāt min kitāb al-Shifāʾ
الطبيعيات من كتاب الشفاء
وقد قيل إن اللهيب والغليان لما كان كل واحد منهما (1) إفراط حرارة ، وكان الجمود إفراط برد ، وكان الجمود خاصة البارد والرطب ؛ فكذلك اللهيب والغليان خاصة الحار اليابس. وهذا قول لست أفهمه حق الفهم ، وعسى أن يكون غيرى (2) يحققه ويفهمه.
وذلك لأن (3) الغليان فليس (4) إفراط حر ؛ بل إن كان ولا بد فهو حركة تعرض (5) للرطب عن الحر المفرط. ولا اللهيب إفراط الحر ؛ بل إضاءه تعرض عن إفراط الحر فى الدخان فإن سمى اشتداد الحر لهيبا فلا مضايقة فيه. والجمود ليس إفراط يرد ؛ بل أثر يعرض من إفراط البرد لا فى كل جسم ؛ بل فى الرطب. ولا الجمود ضد الغليان لأن الغليان حركة إلى فوق. وتضادها (6) (7) الحركة إلى أسفل إذا كانت تضعه. (8) فأما الجمود فليس هو حركة. (9) فلعل (10) الواجب أن يجعل الجمود اجتماع المادة إلى حجم صغير مع عصيان على الحاصر (11) المشكل ، والغليان انبساطها إلى حجم كبير مع ترقق (12) وطاعة لحصر (13) المشكل. فإن كان كذلك كان الخلاف بينهما ما بين التكاثف والتخلخل.
ولم يستمر ما يقولونه. ثم ليس مما يجب ضرورة أن يكون الضد (14) يعرض للضد ؛ فإن الأضداد قد تشترك (15) فى أمور منها الموضوع.
وقد علمت فى كتب المنطق أن مثل هذا الكلام كلام مقنع لا محقق ، (16) وجدلى لا برهانى (17). ويشبه أن يكون لما تشككت (18) به على هذا القول جواب ، لكنى لم أحصله بعد ، ولم أفهمه. فالأولى أن (19) نشتغل بتبيين (20) يبس النار ، ونجعل (21) الطريق (22) إليه إبانة أنها لا تقبل (23) الحصر والتحديد. ويكون بياننا أنها لا تقبل الحصر والتحديد (24)، لا من جهة المحسوس ؛ وذلك لأن النار المحسوسة غير صرفة. (25) ومع ذلك ، فإنه يعرض للأجسام فى
Page 156