ولقائل أن يقول: إنكم قد جعلتم الجواهر العقلية متأخرة عن المحسوسات، فيجب أن يكون العقل والبارى، سبحانه، متأخرين عن الأشخاص المحسوسة؛ فنقول فى جواب ذلك: أولا أما البارى تعالى، فيجب أن تعلم مما سلف أنه ليس داخلا فى جنس الجواهر، وأما ثانيا، فإنه وإن كان النوع والجنس جواهر عقلية فليس كل العقليات هى أنواع وأجناس، بل فى العقليات مفردات قائمة فى ذاتها لا تتعلق بموضوع تقال عليه أو فيه؛ وهذه المفردات العقلية أولى بالجوهرية من كل شئ. أما من المفردات الجسمانية، فلأن تلك أسباب وجودها، وأما من الكليات العقليات، إن كان لها، فلإنها مفردات على النحو الذى أومأنا إليه؛ وأما من الكليات الحسية الطبيعية، فلأنها أولى بالجوهرية مما هو أولى بالجوهرية منها أعنى المفردات الجسمانية. وأما المقايسة التى تقدمت منا فلم تكن بين المحسوسات وهذه الجواهر العقلية، بل بين الشخصيات والكليات، وإن كان في الجواهر العقلية كثرة شخصية تعمها نوعية، ونوعية تعمها جنسية، فالمناسبة بينها هذه المناسبة. ويشبه أن يكون ذلك موجودا في بعضها دون بعض. وكذلك الحال في البسائط التي للمحسوسة أيضا، فإن الصور الشخصية أقدم من الصور النوعية؛ مثلا إن صورة هذا الماء وذاك الماء أقدم من صورة الماء المطلق.
وإذ قد فرغنا من المقايسات التى تجرى بين هذه الجواهر عمقا، فلنعتبر المقايسات التى تجرى بينها عرضا، فنقول: إن الأشخاص الجزئية، وإن تفاضلت في أمور،، فإنها، من حيث هي أشخاص، فإن ماهيتها لا تقدم لبعضها على بعض؛ وكذلك حال نوعياتها، فإنه ليس زيد أولى بأن تقال عليه طبيعة نوعه من شخص آخر، بل ربما كان أولى ببعض الأعراض التي تعرض لجوهريته الشخصية؛ مثلا إذا كان أعلم منه فهو أولى بالعلم منه؛ وكذلك ليس الإنسان النوعي فى استحقاقه درجة الجوهرية النوعية واستحقاق حمل الجنس عليه أولى من الفرس، وإن كان باعتبار القياس إلى الشرف والفضيلة أولى منه. ولا جواهر بعد الجواهر الأول في الحقيقة إلا أنواعها وأجناسها.
وأما الفصول فإنها من جهة تجرى مجرى الأنواع؛ وقد علمت من هذا ما تعتمده؛ ومن جهة أخرى، فإن الفصول إما أن يعنى بها الصورة التي هى كالنطق، وهذه غير محمولة على زيد وعمرو، وإن كانت جواهر، ولامقايسة بينها وبين الأشخاص والأنواع فى اعتبار العموم والخصوص، بل باعتبار البساطة والتركيب. وهى جواهر صورية لها فيما بين جزئياتها وكلياتها هذه المقايسة بعينها؛ وإذا نسبت إلى المركبات، من حيث هى بسائطها، كانت إقدم قدمة المبدإ على ذى المبدإ. وهى بالقياس إلى جزيئاتها أنواع وأجناس؛ فهى أيضا أنواع الجواهر وأجناسها، وإن كانت بالقياس إلى شئ آخر فصولا.
وأما الفصول التى هى فصول منطقية حقيقية كالناطق، وإن كان لايكون إلا جوهرا، فإن معنى الجوهرية، كما علمت، غير مضمن فيها بل معنى مثل هذا الفصل، وليكن الناطق، أنه شئ ذو نطق؛ ثم ليس يكون ذلك الشئ إلا جوهرا؛ أى لا يخلو من لزوم الجوهرية له؛ وهذا أمر تحققته فيما سلف لك. فبالجملة، إن الجواهر هى أشخاص الجواهر وأنواعها وأجناسها؛ وفصولها فى عداد أجناسها وأنواعها على النحو الذى قيل.
فالفصول المجردة، التى هى الصور إذا قيست إلى طبائع الأنواع المركبة منها، كانت أولى بالجوهرية بسبيل القدمة، ولم تكن أولى بالجوهرية بسبيل الكمال. وأما المنطقية من الفصول، فإنها متأخرة فى الجوهرية من وجه آخر؛ لأن الجوهرية لازمة لها لا داخلة فى مفهومها؛ إذ قد علمت أن الناطق يجب أن لايوجد جوهرا أو حيوانا ذا نطق، بل شيئا ذا نطق.
الفصل الثالث فصل (ج) فى رسوم الجوهر وخواصه
الجواهر كلها تشترك فى خاصية مساوية لها وهى أنها موجودة لا فى موضوع؛ والفصول المنطقية أيضا، إذ كانت جواهر، وإن كانت الأجناس والأنواع أولى بذلك، من حيث علمت، فإنها أيضا موجودة لا فى موضوع، إذ كانت تعطى شخصياتها أسماءها بحدودها. والتى تقال فى موضوع فربما وافقت فى الاسم فقط. وليس شئ من الجواهر فى موضوع؛ ولا شئ مما هو فى موضوع فهو جوهر. وليس إذا كانت أجزاء الجوهر فى الكلات التى هى المركبات، وجزئياتها فى الكليات ، يجب من ذلك أن تكون فى موضوع؛ فقد علمت أن الوجود فى الموضوع بخلاف وجود الأجزاء فى الكلات والجزئيات فى الكليات.
Page 83