673

الفرق بين المقدمات المستعملة في الضمائر والمستعملة في الجدل أن الجدلية قد تستعمل فيها المقدمات البعيدة عن المطلوب، ليتدرج بها إلى المطلوب بأوساط متتالية، وتستعمل فيها المقدمات التي هي متعالية الشهرة حقيقيتها، وتستعمل فيها المقدمات التي لا ظن للجمهور فيها، إذا كانت منتجة عن مقدمات مشهورة. وأما الخطابة فلا يجوز أن تستعمل المشهورات الحقيقية فقط، فيوهم ان المتكلم يتعلق بالحقائق، ويخرج عن طريق العامية والخطابية. ولا تستعمل فيها أيضا المقدمات البعيدة عن ظنون الجمهور، بل إنما تستعمل فيها مقدمات ليست حاضرة الأذهان بالفعل حضور كون الشمس مشرقة، ولا غائبة عنها، حتى إذا ذكرت، قعدت الأذهان عن الحكم فيها بوجه، بل هي التي عندما تذكر، ينقدح فيها ظن، سواء انقدح منها ذلك، إذا ذكرت مفردة، أو ذكرت مع قرينة، وعلى نحو ما علمت. وهذا مثل قولهم: بئس الشيء الطمع. فإن المعلومة جدا ذكرها كالفضل؛ والمجهولة جملة ذكرها كالإغراب، والخروج عن العادة. وأما المناسب لطباع العامة فما لا يجهل، ولا يكون أيضا كالمعلوم والفضل. والشيء المجهول منفور عنه، غير مجانس. ولذلك ما يكون الرجل القليل الأدب أفكه في المجالس من الأديب. وذلك لأن الأديب كالغريب، وكما لا يجانس؛ وهذا أقرب إلى المجانسة. وهو أيضا أسرع إلى التصديق والقبول والارتياح لما يسمع من الأديب الذي لا يفيده السماع إلا ما علمه سالفا. فيكون مثل هذا الإنسان أسر في المجالس لما يسمع ويسمع. فمنهم من يتكلم بالظاهرات جدا عند الكل؛ ومنهم من يتكلم بأمور هي عندهم معروفة. فإذا تكلم بالظاهرات أوردها على أنها فوائد وقوانين مضبوطة، ففرح من جهة ما يفيد، فأمعن في النشاط. وإذا أورد ما هو عنده مشهور، وليس من المعلوم جدا، ولكن بين حمله، وكان من القريبة لا من البعيدة، وعلى ما ذكرنا في ابتداء الفصل، فاستمر إلى فهمها السامعون، ففرحوا بها. وأما الأديب، فإنه يورد الغرائب، وذلك مما تشمئز عنه الأنفس. والأحب إلي أن يفهم هذا الفصل هكذا.

فيبين من هذا الكلام الخطبي ينبغي أن لا يكون كله ما يرى ويظن من المشهورات جدا، بل من أمور محمودة، إذا قبلت، تكون كأنها أصول، وكأنها مذكرات يلتذ بها، فتكون من الجنس الذي علم بالعلامات المعلومة أن الحكام يقبلونه. ويجب أن يقرن بها دعوى أنها ظاهرة بينة للكل والأكثر . فإن ذلك، وإن لم يكن بالحقيقة كذلك، فلا يبعد أن يزيد القول توكيدا. فإنه ليس واجبا لا محالة أن يؤتى بالاضطراريات، بل والأكثريات نافعة لهم. فليأخذوها مأخذ الاضطراريات. هكذا فافهم هذا الموضع.

والمتصدي للكلام في جنس من الأجناس مع مخاطب من المخاطبين، ينبغي أن يكون بصيرا بذلك الجنس من الأمر وبالأحوال التي عرضت للجزئي الذي يتكلم فيه، كما مثلنا في المشورة في الجزئيات وغيرها، وخصوصا ذكر مشورة حروب في بلاد مخصوصة. فإنه إن لم يعلم مآثر إنسان ما وأفعاله الكريمة، لم يمكنه أن يمدحه. وإن لم يعلم فضائحه، لم يمكنه أن يذمه. ولهذا أشار رسول الله صلى الله عليه على حسان بن ثابت أن يحضر أبا بكر الصديق فيسمع منه مساوئ أبي سفين وعشيرته، ثم يقول الشعر فيه. وكذلك الحال في المشاجرات، وفي كل باب.

واعلم أن الحكم في الخطابة كالحكم في الجدل في أن أصوب الصواب له التقدم بإعداد مواضع نحو كل إثبات وإبطال على جهة محدودة قريب من الأمر. فحال الخطابي في هذا هو حال الجدلي. وكما قد بينا هناك أن الموضع الأقرب، والأشد مناسبة للأمر أحرى بالاستعمال، وكذلك فإن النوع الأقرب والأخص بالغرض أولى في الخطابة بالاستعمال، فيجب لا محالة أن تهيأ فيها المواضع والأنواع، فإنها اسطقسات وأصول العمل.

وكل تفكير، فاما تثبيت قد يشبه القياس المستقيم، وإما توبيخ قد يشبه الخلف. والتثبيت قد يؤلف من مقدمات يقر بها، والتوبيخ من المجحودات المستشنعة، وذلك في أي شأن كان التفكير: في مشاورة، أو منافرة، أو مشاجرة، أو كان في الانفعاليات والخلقيات.

Page 239