al-manṭiq
المنطق
وقد يحتاج الخطيب المشير إلى مقدمات يعدها في إثبات أن هذا الخير أفضل، وهذا النافع أنفع، بل قد يحتاج إليه غيره أيضا. فينبغي أن يعد الأنواع النافعة في ذلك. فأفضل الخيرين أعمهما، أو أدومهما، أو أكثرهما جهات نفع وخيرية وأولادهما بأن يكون مقصودا لنفسه. وإذا كان الواحد من باب خير ما أفضل من عدة من خير آخر - إلا أن يكثر جدا - فهو أفضل. والخير الذي عظيمه أفضل من عظيم خير آخر فهو أفضل، مثل أن العظيم من الحكمة هو معرفة الله، والعظيم من العبادة هو المثابرة على الصلوات، ومعرفة الله أفضل من المثابرة على الصلوات. فالحكمة أفضل من العبادة. وما كان أيضا نفسه أفضل، فعظيمه أفضل؛ فإنه إذا كان القرآن أفضل وأفصح من خطبة النبي، ففصيح القرآن أفضل وأفصح من فصيح خطبة النبي. وإذا كان أحد الخيرين يستتبع الآخر، إما معا كالسلطان والكرامة، وإما بأحرة كالسلطان واليسار، وإما في القوة مثل السلب فإنه نفسه فقد، وليس كل فقد صلبا، وكان الآخر لا يستتبعه دائما، فالمستتبع أفضل. وربما أقنع أن الشيء الذي ليس بفاضل في نفسه، إذا كان يفعل خيرا أعظم في نفسه من شيء آخر هو نفسه فاضل، فإنه ينبغي أن يكون هو آثر من الفاضل، وإن لم يكن أفضل، مثل الجلد والجمال. فإن الجلد، وإن لم يكن بنفسه خيرا كالجمال، فقد يدرك بالجلد ما هو أفضل من الجمال. وكذلك التصحح، وإن لم يكن أفضل من اللذة، فقد يدرك به ما هو أفضل من اللذة، فيكون هو آثر. فيكون بعض ما هو نافع آثر من بعض ما هو خير. والذي يؤثر لنفسه، وإن لم يصحبه الآخر، آثر من الآخر، إذا كان لا يؤثر وإن لم يصحبه الأول، مثل الصحة والجمال. فإن الصحة بلا جمال مؤثرة، ولكن الجمال بلا صحة غير مؤثر؛ فالصحة آثر وأفضل. والذي هو تام الوجود مستقره ومراد لنفسه كالصحة آثر من الذي يفقد أحدهما أو كلاهما، إما كاللذة فإنها في طريق التكون وتطلب لذاتها، وإما كالرياضة فإنها في طريق التكون ومع ذلك فإنها تطلب لغيرها. والذي وجوده يغني عن الآخر أفضل من الذي وجوده يفتقر الى الآخر، مثل اليسار والتجارة. فإن اليسار يغني عن التجارة، والتجارة تفتقر الى اليسار؛ فاليسار آثر. وقد يوهم كون الشيء مبدأ لأمر أنه أعظم منه، وربما لم يكن في الحقيقة. فإن الخير أفضل من اخياره ، وهو بدؤه. على أنه ليس يمكن أن يكون خير أو نافع مشوري لا بدء له. وكيف وكلها إرادى! فإذا كان كذلك، أمكننا أن نجد أنواعا من اعتبار المبادئ: فما مبدؤه أعظم، فهو أعظم. والمبدأ الذي لأعظم المعلولين أعظم. وقد يمكن أن ينصر في بعض الأوقا أن المبدأ نفسه أعظم. فإن رجلا واحدا من الخطباء يقال له لاوداماوس ذم رجلين: أحدهما يقال له قلسطراطس، والآخر كفريوس. وكان قلسطراطس - كما أقدر أنا - أشار على كفريوس بارتكاب جور فأتمر. فذم قلسطراطس وقال: إن خطيئته أعظم من خطيئة الآخر، فإنه لولا إشارته عليه بالجور، لما ارتكبه. ثم ذم الآخر، فقال: إن خطيئته أعظم من خطيئة الأول، فلولا ائتماره، لما ضرت مشورته.
Page 201