482

فالقياس الجدلي أعم من السائل الجدلي، وكلاهما يؤلف من الذائع المحمود؛ لكن أحدهما مما هو محمود بحسب الجمهور، والآخر مما هو محمود عند المخاطب. وكل محمود فهو مسلم من حيث هو محمود؛ لكن للمجيب خاصية مقاومة تنحو نحو أن لا نفعل، وللسائل خاصية مناقضة تنحو نحو أن يفعل. ولكل واحد منهما حيلة ومزاولة يتم بها فعله؛ لكن السائل غايته مضمنه في كونه قياسا، ومتوصلا إلى عمل القياس. فإنه إذا أمكنه الأمر العام له ولغيره، وهو اتخاذ القياس من المسلمات، فقد أمكنه القياس على مقابل الوضع. فإذا ذكر أن الجدل ملكة يقتدر بها على إيحاد مثل هذا القياس، دخل في ذلك الاقتدار حال السائل، وبقى حال المجيب من حيث هو مجيب، وإن كان لا يقيس. لأن المجيب ليس يلزمه من حيث هو مجيب، أن يكون قياسا. والسائل يلزمه من حيث هو سائل أن يكون قياسا. على أنا لا نمنع أن يكون المجيب قياسا، ولا نوجب أن يكون كل قياس إنما هو للسائل. فإذن في قولنا: " ملكة يقتدر بها على إيجاد القياس على النحو المذكور " قد فرغ عنه من حال السائل من حيث هو سائل، بل بقى علينا حال المجيب من حيث هو مجيب.

وحال المجيب، من حيث هو مجيب، الذب. والذب هو أن لا يسلم ما يتألف منه مقاومة مقدمة، أو لا يأتي بمقدمة منتقضة، أو لا يسلم ما يتألف منه ما ينتج نقيض وضعه. وبالجملة أن لا يؤخذ منه ما يؤدي إلى نقض شيء مما يتم به فعله. وهذا النقض إما نقض مقدمة قياسه تلك الكلية التي كأنها الأصل، بجزئي يخالفه، فتكون من الشكل الثالث. فلا يجب أن يسلم ما يمكن أن ينقض به مقدمته وهو لا يشعر، أو ينقض مقدمة قياسه بقياس لي على سبيل نقض بالجزئي، بل على سبيل إنتاج المقابل؛ لأنه ربما كانت المقدمة في قياسه جزئية، فلا تنقض بل أصلا بقياس. فلا يجب أن يسلم ما يؤلف على يؤلف على مقابل مقدمته، وإن لم يكن نقضا وهو لا يشعر، أو تنقض مذهبه بقياس يسدد نحو الوضع المقدمة؛ فلا يجب أن يسلم أيضا ذلك.

وهذه ملكة مقابلة لملكة القياس السائلي إذ هذه ملكة فيما لا ينفعل، لا فيما يفعل.

فإذن هذا الرسم مطابق لما يدل عليه اسم الجدل؛ وهو أن تكون لنا قدرة على كمال الأمر في المخاطبة التي قوام أمرها على القياس الجدلي، بأن ينفذ عامله كما يؤثره السائل، أو يرد باطله كما يؤثره المجيب. فبالحقيقة والواجب ما زيد في رسمه فقيل: وأن نكون إذا أجبنا لم نأت بمتناقض. وهذه الملكة بالحقيقة صناعة من حيث قلنا، وقوة من حيث تعمل في متقابلين.

الفصل الرابع فصل (د) في إبانة ما غلط فيه قوم من أمر القياس الجدلي وفي تعريف الموضع والمقدمة وأسباب الشهرة، وإعطاء السبب في تسمية هذا الكتاب بالمواضع.

قد ظن قوم أن القياسات الجدلية إنما هي قياسات جدلية بأن تكون موضوعاتها مقدمات أكثرية الصدق. وظن آخرون أن الصناعة الجدلية إنما هي صناعة جدلية بأنها تنتج الحق في أكثر الأمر. وهذه كلها ظنون فاسدة؛ فإن القياس الجدلي إنما هو قياس جدلي بأن مقدماته متسلمة أو مشهورة. وليس من شرط المشهور والمتسلم أن يكون لا محالة صادقا؛ بل كثيرا ما يسلم الباطل؛ وكثيرا ما يشتهر ما هو كذب؛ وكثيرا أيضا ما يشتهر ما هو حق مطلق؛ وكيرا ما يكون الحق غير بين بنفسه في اعتبار البيان العقلي الأول، ويكون مشهورا. وليس يتفق أن لا تقع الشهرة إلا لما هو أكثري الصدق؛ أو الحق الصريح لا يكون مشتهرا.

Page 39