al-manṭiq
المنطق
وإنما طلبنا ذلك القانون الموجب لإسقاط المتضمنات لغيرها، وحفظها مه ذلك إلى وقت آخر، لأنا إن أخذنا مثل الحيوان وضمنا إليه فصل الإنسان وفصل الفرس، وقلنا حيوان ناطق وحيوان صاهل، ثم حذفنا الفصلين، لم يمكنا أن نحد الحيوان بنا بقى لأنه لم يبق إلا اسم الحيوان فقط. وأيضا إن أخذنا الحيوان والحساس معا فقد أخذنا الحساس في الحد مرتين : مرة مصرحا ومرة مضمرا. فلذلك حذفنا الحيوان من جملة المحمولات. وأيضا إذا لم نطلب ما هو مثل لفظ الحيوان أو مثل لفظ للاسم مرة أخرى بعد حذفه ولم نعده، بل سردنا جميع المحمولات سردا، كنا قد أطلنا الحد، والحد قد يطلب فيه الإيجاز. فقد بان الغرض في الحاجة إلى أخذ هذه المعاني كلها وحذف المتضمن لغيره منها وعزله، وفي رده أخرى. فإذا فعلت هذا فقد تركب الحد.
ولا يجب أن يظن بالمعلم الأول انه يقتصر في اكتساب الحد على طريق أخذ من أسفل، لا قط لما يتفق من الوصاف كيف كان، كأنه لا يرى إلا طريقة تركيب فقط. بل يضيف إلى ذلك مراعاة الجنس ومراعاة المحمولات الأولية والأولية للأولية. وذلك أيضا مما يفتقر فيه إلى القسمة أحيانا ومراعاة التركيب. وليس لغير ما فعله، على الوجه الذي فعله، وجه.
الفصل السابع في أن طريقة القسمة نافعة أيضا في التحديد وكيفية ذلك، وتفصيل طريقة التركيب وما فيها من قلة الوقوع في تضليل الاسم المشترك
نقول إن القسمة وإن كانت لا تقيس على الحد فهي نافعة في الحد : وذلك لأن القسمة وإن كانت إنما تؤخذ منها أجزاء الحد اقتضابا لا لزوما ، فهي نافعة في التحديد من وجوه ثلاثة : أحدها أن القسمة تدل على ما هو أعم وما هو أخص، ويستنبط من هذا كيفية ترتيب أجزاء الحد فيجعل الأعم أولا والأخص ثانيا. فيقال مثلا في تحديد الإنسان حيوان ذو رجلين إنس، ولا ذو رجلين حيوان إنس، فإن بين الأمرين فرقا، لأن قولك ذو رجلين حيوان إنس إذا قيل فيه رجلين فقد قيل فيه الحيوان. فإذا قيل فيه بعد ذلك فهو تكرار وسوء ترتيب.
وأما إذا قيل حيوان أولا ولم يقل بعد ذو الرجلين، لا بالفعل ولا بالقوة التي يقال بها المضمنات، فإذا قيل ذو الرجلين بعد الحيوان لم يكن خللا.
والثاني أن القسمة تدلك على أن تقرن كل فصل مع جنس فوقه فتجعله جنسا لما تحته، فيجري ترتيب الفصول على التوالي حتى يكون ما يجتمع من الفصول غنما يجتمع على تواليها فلا يذهب منها شيء في الوسط. فإذا أريد أن يركب الحد من الأنواع إلى الجناس لم يطفر من نوع إلى جنس أبعد، بل الجنس الذي يليه.
والثالث أنها إذا وقعت على الواجب كانت تشتمل على الفصول الذاتية كلها، فلا يبقى شيء من الداخلات في ماهية الشيء إلا وقد ضمن فيه، فنكون قد أعطينا الفصول على تواليها طولا، وأعطيناها بتمامها ولو عرضا. فإنه يمكن أن يقسم الجنس بقسمين ليس أحدهما تحت الآخر مثل الجسم ذي النفس : إلى المتحرك بالإرادة وغير المتحرك بالإرادة مرة، وإلى الحساس وغير الحساس مرة. فيجب أن يراعى هذا في القسمة عرضا كما روعي طولا لئلا يفوت فصل من فصول ما ينقسم إلى فصول ذاتية متداخلة او متوافية. والمتداخلة مثل المائت وغير المائت، والناطق وغير الناطق. والمتوافية مثل الحساس وغير الحساس، والمتحرك بالإرادة وغير المتحرك بها.
والقانون في مراعاة الوجه الثاني والثالث حتى يحصل منه منفعة، أن تكون القسمة بالذاتيات المقومات للأنواع وأن تكون القسمة أولية للجنس؛ وهو في القسمة التي للجنس من طريق ما هو جنس. مثلا إنما يجب أن يقسم الحيوان أولا إلى الطائر والسابح والزاحف والماشي ، ثم يقسم الماشي إلى ذي رجلين وكثير الأرجل، والطائر إلى متصل الجناح ومنفصل الجناح. فإن أخل بهذا وقسم الحيوان أولا إلى متصل الجناح ومنفصل الجناح، فما قسم الحيوان من جهة ما هو حيوان بل من جهة ما هو طائر، وكذلك إن قسم الحيوان إلى كثير الأرجل وذي الرجلين فما قسم الحيوان من جهة ما هو حيوان، بل من جهة ما هو ماش.
Page 20