401

نقل البرهان يقال على وجهين : فيقال أحدهما على أن يكون شيء مأخوذا مقدمة في علم ويكون برهانه في علم آخر، فيتسلم في هذا العلم وينقل برهانه إلى ذلك العلم، أي يحال به على العلم. ويقال على وجه آخر وهو أي يكون شيء مأخوذا في علم على انه مطلوب ثم يبرهن عليه ببرهان حده الوسط من علم آخر. فتكون أجزاء القياس - وهي الحدود - صالحة للوقوع في العلمين، كما يبرهن على زوايا مخروط البصر في علم المناظر بتقديرات هندسية على جهة لو جعلت معها تلك الزاوية هندسية محضة لكان البرهان عليها ذلك. وكذلك البراهين التي تقوم على الأعداد التي في علم التأليف وإن كان الداعي إلى هذا لا شيء من نفس الأمور، بل ضرورة ما على ما سنبينه بعد.

ونحن نعني هاهنا بنقل البرهان ما كان على سبيل القسم الثاني : وذلك لا يمكن إلا أن يكون أحد العلمين تحت الآخر. وبالجملة يجب أن يشتركا في الموضوع حتى يشتركان في آثاره، إما على الإطلاق، وإما بوجه ما؛ وهذا الوجه هو أن أحدهما تحت الآخر. فحينئذ يجوز أن ينقل البرهان من العام إلى الخاص؛ فيكون العام يعطى العلة للخاص على ما سنوضحه بعد.

وأما إذا اشتركا في الموضوع على الوجوه الأخرى فيمكن أن يتفقا في القياس : فإنه إذا كان الحد الوسط جنسا للأصغر أو فصلا مقوما أو شيئا من هذه المقومات، والكبر عارضا لذلك الجنس أو ذلك المقوم - )103 أ( وهو المأخذ الأول من مآخذ البرهانيات - أو كان )103 أ( الأوسط عارضا ذاتيا للأصغر؛ والأكبر عارضا ذاتيا آخر أو جنس عارض أو فصله أو شيئا مقوما له - وهو المأخذ الثاني من البرهانيات - ليس غيرهما على ما أوضحنا - كان نحو النظر في العلمين واحدا. وإن م يكن هكذا لم يكن القياس برهانيا في كليهما جميعا : بل عساه أن يكون برهانيا في أحدهما غير برهاني في الآخر؛ أو يكون في كليهما غير برهاني : إذ بينا أن البرهان لا يخلو عن أحد هذين المأخذين، وأشبعنا القول فيه.

ثم من المحال أن يتفق في أحد المأخذين علمان متباينا الموضوع أو متباينا نحو النظر في الموضوع. ولهذا السبب ليس للمهندس أن يبين هل الأضداد بها علم واحد أولا : فإن الأضداد ليست من جملة موضوعات علمه ولا من العوارض الذاتية له أو لجنسه.

وإذا كان الأمر على ما حققناه فيجب أن نعلم أنه إنما ينقل البرهان من علم أعلى إلى علم تحته كالبراهين الهندسية تستعمل في المناظر، والعددية تستعمل في التأليف.

ويجب ألا يتفق بحثا علمين متباينين في الموضوعات والأعراض؛ وألا يكون شيء من العلوم ينظر في الأعراض الغريبة ولا في الأعراض التي تعرض للشيء لا بما هو هو مثل الحسن والقبيح إذا استعملا في الشكل والخط؛ والمقابلة إذا روعيت بين المستدير والمستقيم : فإن أمثال هذه وإن كانت تؤخذ بوجه ما في موضوعات الهندسة، فليست تعرض لها بما هي هي، بل هي عوارض خارجية قد تعرض لأشياء غير الجنس الذي يختص بموضوعات الهندسة.

Page 458