357

وأما التجربة فإنها غير الاستقراء، وسنبين ذلك بعد. والتربة مثل حكمنا أن السقمونيا مسهل للصفراء، فإنه لما تكرر هذا مرارا كثيرة، زال عن أن يكون مما يقع بالاتفاق. فحكم الذهن أن من شأن السقمونيا إسهال الصفراء وأذعن له. وإسهال الصفراء عرض لازم للسقمونيا. ولسائل أن يسأل فيقول : هذا مما لم يعرف سببه، فكيف يقع هذا اليقين الذي عندنا من أن السقمونيا لا يمكن أن يكون صحيح الطبع فلا يكون مسهلا للصفراء؟ أقول إنه لما تحقق أن السقمونيا يعرض له إسهال الصفراء وتبين ذلك على سبيل التكرار الكثير، علم أم ليس ذلك اتفاقا، فأن الاتفاق لا يكون دائما أو أكثريا. فعلم أن ذلك شيء يوجبه السقمونيا طبعا، إذ لا يصح أن يكون عنه اختيارا : إذ علم أن الجسم بما هو جسم لا يوجب هذا المعنى، فيوجبه بقوة قريبة فيه، أو خاصة له، أو نسبة مقرونة به. فصح بهذا النوع من البيان أن في السقمونيا بالطبع، أو معه، علة مسهلة للصفراء. والقوة المسهلة للصفراء إذا كانت صحيحة، وكان المنفعل مستعدا، حصل الفعل والانفعال. فصح أن السقمونيا في بلادنا تسهل دائما الصفراء إذا كانت صحيحة. فإن عرفنا الأعظم للأصغر بواسطة الأوسط - الذي هو القوة المسهلة وهو السبب. وإذا حللت باقي القياس وجدت كل بيان إنما هو بيان بواسطة هي علة لوجود الأكبر في الأوسط، وإن لم يكن علة للعلم بالأكبر. فإذن بالسبب حصل لنا هذا النوع من اليقين أيضا.

ولقائل أن يقول : ما بال التجربة تفيد الإنسان علما بأن السقمونيا تسهل الصفراء على وجه يخالف في إفادته الاستقراء؟ فإن الاستقراء إما أن يكون مستوفيا للأقسام، وإما أن لا يوقع غير الظن الأغلب. والتجربة ليست كذلك. ثم يعود يتشك فيقول : ما بال التجربة توقع في أشياء حكما يقينيا؟ ثم لو توهمنا أن لا ناس إلا في بلاد السودان، ولا يتكرر على الحس إنسان إلا أسود، فهل يوجب ذلك أن يقع اعتقاد بأن كل إنسان أسود؟ وإن لم يوقع، فلم صار تكرر يوقع وتكرر لا يوقع؟ وإن أوقعت فقد خطأ وكذبا. وإذا أوقعت خطأ وكذبا فقد صارت التجربة غير موثوق بها ولا صالحة أن تكتسب منها مبادئ البراهين : فنقول في جواب ذلك : إن التجربة ليست تفيد العلم لكثرة ما يشاهد على ذلك الحكم فقط، بل لاقتران قياس به قد ذكرناه. ومع ذلك فليس تفيد علما كليا قياسا مطلقا، بل كليا بشرط، وهو أن هذا الشيء الذي تكرر على الحس تلزم طباعه في الناحية التي تكرر الحس بها أمرا دائما، إلا أن يكون مانع فيكون كليا بهذا الشرط لا كليا مطلقا. فإنه إذا حصل أمر يحتاج لا محالة إلى سبب، ثم تكرر مع حدوث أمر، علم أن سببا قد تكرر. فلا يخلوا إما أن يكون ذلك الأمر هو السبب أو المقترن بالسبب، أو لا يكون سبب. فإن لم يكن هو السبب أو المقترن بالطبع بالسبب لم يكن حدوث الأمر مع حصوله في الأكثر بل لا محالة يجب أن يعلم أنه السبب أو المقارن بالطبع للسبب.

Page 413