al-manṭiq
المنطق
واما البرهان المطلق - أعني برهان لم - فمثل أن نقول : إن هذا الإنسان عفنت فيه الصفراء لاحتقانها وانسداد المسام، وكل من عرض له فهو يحم غبا، نائبة أو لازمة تشتد في الثالث. أو نقول : القمر كرى، وكل كرى فإن استفادته النور من المقابل يكون على شكل كذا وكذا. أو نقول إن القمر وقع في مقابلة الشمس والأرض متوسطة تستر ضوءها عنه، وكل ما كان كذلك انكسف. أو نقول : إن هذه الخشبة باشرتها النار، وكل خشبة باشرتها النار تحترق. فإن هذا كله مما يعطى التصديق بالمطلوب ويعطى علة وجود المطلوب في نفسه معا. وأما أصناف الأسباب وكيف يمكن أن تؤخذ حدودا وسطى فسنفصلها التفصيل المستقصى بعد. وأما الآن فنقول : إن جميع ما هو سبب لوجود إما أن يكون سببا لنفس الحد الأكبر مع كونه سببا لوجوده للأصغر، أولا يكون سببا لوجود الحد الأكبر في نفسه، ولكن لوجوده للأصغر فقط. مثال الأول أن حمى الغب معلولة لعفونة الصفراء على الإطلاق. ومعلولة لها أيضا في وجودها لزيد. ومثال الثاني أن الحيوان محمول على زيد بتوسط حمله على الإنسان. فالإنسان علة لوجود زيد حيوانا - لأن الحيوان محمول أولا على الإنسان. والإنسان محمول على زيد. فالحيوان محمول كذلك على زيد. وكذلك الجسم محمول أولا على الحيوان ثم على الإنسان. فالحيوان وجوده للإنسان علة في وجود الإنسان جسما. فأما على الإطلاق فليس الإنسان وحده علة لوجود الحيوان على الإطلاق، ولا الحيوان وحده علة لوجود معنى الجسم على الإطلاق. فإن سنح لقائل أن يقول : بل الحيوانية علة لوجود الإنسانية لزيد، فإنه ما لم يصر حيوانا لم يصر إنسانا : وكذلك حل الشك في أن فصل الجنس هو أولا للنوع أو للجنس؟ فليكن الجواب عن ذلك فرضا له علينا ودينا نقضيه؛ والآن فنقول : إن الجنس علة للنوع في حمل فصل الجنس عليه، كما هو علة له في حمل جنس الجنس عليه. ونبين تحقيق ذلك من حل الشك المذكور بعد، ونقول : إن كل شيء يكون علة للحد الأكبر فإنه يكون صالحا لأن يكون حدا أوسط له، وإن لم يكن بينا أنه علة له. ولكن لا يكون القياس المؤلف " برهان لم " بعد. فإلى أن يبين ذلك فلا يكتسب به اليقين التام. وإذا تبين بحجة، بان باعتبار أو حجة، فيكون اليقين إنما يتم لا بذلك الحد الأوسط وحده، بل بالحد الأوسط الآخر - وهو الذي يبين أن السبب سبب بالفعل. فكثيرا ما يكون السبب المعطى أولا ليس سببا قريبا، أو ليس سببا وحده بالذات، بل هو بالحقيقة جزء سبب. وهذا مثل الحساس : فإنه علة بوجه ما للحيوان. فإذا قلنا : مل حساس حيوان : لم يخل ذلك من أحد وجهين : إما أن يجعل اسم الحيوان مرادفا لاسم الحساس حتى لا يكون الحيوان إلا نفس الشيء ذي الحس، فيكون حينئذ الأوسط والأكبر اسمين مترادفين، ولا يكون أحدهما أولى بأن يكون علة للآخر، وإما أن يكون معنى الحساس يدل على شيء ومعنى الحيوان على شيء أكمل معنى منه على ما هو الحق وعلى ما علمت، حتى يكون الحيوان ليس شيئا ذا حس فقط، بل جسما ذا نفس غاذية نامية مولدة حساسة متحركة. وأنت تعلم أن نفس كونه ذا حس ليس نفس كونه جسما ذا نفس غاذية نامية مولدة حساسة، وإن كان هذا لا يخلو عنه. وقد علمت أن الفرق بين المعنيين؛ ومع ذلك فليس أيضا يلزم من وضعك شيئا ذا حس من غير وسط ولا حجة أن تعلم أنه يجب أن يكون جسما ذا نفس متغذية نامية مولدة وغير ذلك. فإنك لو فرضت أن ها هنا جسما له حس ولا شيء من ذلك، لم يمتنع عليك تصوره بالبديهة. نعم، قد تستنكره وتجد الوجود يخالفه، وليس اليقين يصير يقينا بمطابقة الوجود له وبالاستقراء كما قد علمت. لا، بل ما تنكر البديهة وجوده فإنك تجوز وجوده. وكل ما جوزت وجوده فليس مقابلة يقينا لك.
وإذا كان كذلك فليس قولك كل حساس حيوان - ولا تعني بالحيوان الحساس نفسه حتى يكون اسما مرادفا له، بل تجعله أمرا له خصوصية مفهوم حققناه - أمر متيقنا به، مع أن الحساس علة، إلا أنه علة ليس وحده على، بل هو إحدى العلل : أي جزء العلة. فيجب أن يعتقد هذا ولا يلتفت إلى ما يقال. فأما إذا أخذت " الحساس " مرادفا للحيوان فقد جعلت الحد الأوسط اسما مرادفا لاسم الأكبر، فما شيئا.
فإذن علة الكبرى التي نحن في ذكرها يجب أن تكون علة كاملة وعلة واضحة، ثم تعتبر الاعتبارات التي أعطيناها. ونعود فنقول : وربما كان الأوسط في الوجود معلول الأكبر بالحقيقة، لكنه ليس معلول وجود الأكبر في الأصغر. بل إنه وإن كان بالحقيقة معلولا للأكبر فإنه يكون علة لوجود العلة في المعلول. فإنه لا يمتنع أن تكون العلة أولا موجودة لشيء فيكون ذلك الشيء معلولا لها، ثم تكون العلة بتوسط ذلك المعلول لمعلول آخر، فتكون هذه الواسطة معلولة في الوجود للأكبر، لكنها علة لوجود علة في معلول آخر وليس سواء أن نقول " وجود نقول " ، وأن نقول " وجود الشيء في لاشيء " . ولا يتناقض أن نقول هذا معلول الشيء، ثم نقول لكنه علة لوجود هذا الشيء في معلول آخر : فإن حركة النار مثلا ملولة لطبيعتها، ثم قد تصير علة لحصول طبيعتها عند الشيء الذي حصلت عنده ففعلت فيه. ولذلك هي التي تجعل حدا أوسط دون نفس طبيعة النار، فإن نفس طبيعة النار لا تكون علة الإحراق بذاتها إلا بتوسط معلول هو مماستها للمحترق أو حركتها إليه مثلا.
Page 406