349

ثم إن لسائل أن يسأل أحدا فيقول : هل تعلم أن كل اثنين زوج؟ ومعلوم أن جوابه إني أعلم ذلك. فيعود ويقول : هل الذي في يدي هو زوج أو فرد؟ وعدد الناس الذي بمدينة كذا زوج هذا أو فرد. فإن أجيب بأنا لا نعلم ذلك، عاد فقال : فلستم تعرفون أن كل اثنين عدد زوج، فإن هذا الذي في يدي اثنان ولم تعرفوا أنه زوج. وقد قيل في التعليم إن قوما أجابوا عن هذا بجواب غير مستقيم فقالوا : نحن إنما نعرف أن كل اثنين عرفناه فهو زوج. وهذا الجواب فاسد : فإنا نعرف أن كل اثنين موجود عرف أو لم يعرف، فهو زوج. بل الجواب عن هذا : أنا لم تقل إنا نعرف كل اثنين زوج، فإذا لم نعرف اثنين زوجا ينتقض قولنا. وأيضا لم تقل إنا نعرف من كل شيء هو اثنان أنه اثنان فنعرف أنه زوج. بل قلنا أحد قولين : إما(92 ب) أن كل اثنين عرفناه فإنا نعرف أنه زوج، أو كل اثنين في نفسه - عرفناه أو لم نعرفه - فهو في نفسه زوج. أما القسم الأول فلا ينتقض بالشبهة التي أوردت. وأما الوجه الثاني فهو معرفة عامية لا يناقضه الجهل الخاصتي : لأنا وإن لم نعلم أن الذي في يد فلان زوج أو ليس بزوج فعلمنا أن كل اثنين فهو في نفسه زوج، ثابت معناه غير باطل. وأما ما جهلناه فإنه داخل في علمنا بالقوة لا بالفعل. فالجهل به لا يكون جهلا بالفعل بما عندنا. وإذا حصل عندنا أن الذي في يده اثنان، وتذكرنا المعلوم الذي كان عندنا، عرفنا في الحال أن الذي في زوج. فإذن مجهولنا غير معلومنا. وليس إذا لم نعرف أن شيئا ما هو زوج أم لا - لأنا لا نعرف أنه اثنان أم لا - يبطل ذلك أن نعلم أن كل ما هو اثنان فهو زوج، فنكون قد علمنا أيضا أن ذلك زوج من وجه، فبهذا يزول ذلك الشك. وقد ذكرنا أن مأنن الذي خاطب سقراط في إبطال التعليم والتعلم قال له : إن الطالب علما ما إما أن يكون طالبا لما يعلمه فيكون طلبه باطلا، وإما أن يكون طالبا لما يجهله فكيف يعلمه إذا أصابه؟ كمن يطلب عبدا آبقا لا يعرفه، فإذا وجده لم يعرفه. فتكلف سقراط في مناقضته أن عرض عليه مأخذ بيان شكل هندسي، فقرر عنده أن المجهول كيف يصاد بالمعلوم بعد أن كان مجهولا. وليس ذلك بكلام منطقي، لأنه بين أن ذلك ممكن فأتى بقياس أنتج إمكان ما كان أتى به " مانن " بقياس أنتج غير إمكانه ولم يحل الشبهة. وأما أفلاطون فأنه تكلف حل الشبه وقال إن التعلم تذكر : يحاول بذلك أن يصير المطلوب قد كان معلوما قبل الطلب وقبل الإصابة، ولكن إنما كان يطلب إذ كان قد نسى. فلما تأدى إليه البحث تذكر وتعلم : فيكون إنما علم الطالب أمر كان علمه. فكأن أفلاطون قد أذعن للشبهة وطلب الخلاص منها فوقع في محال. وهذا شيء كنا قد استقصينا كشفه في تلخيصنا للكتاب الذي في " القياس " . لكنا نحن مع ذلك نقول.

إن المطلوب لو كان معلوما لنا من كل ما كنا نطلبه، ولو كان مجهولا لنا من كل جهة ما كنا نطلبه. فهو معلوم لنا من وجهين مجهول من وجه، فهو معلوم لنا بالتصور بالفعل، ومعلوم لنا بالتصديق بالقوة.وإنما هو مجهول لنا من حيث هو مخصوص بالفعل، وإن كان معلوما من حيث لا يخص أيضا بالفعل. وإذا سبق منا العلم بأن كل ما هو كذا فهو كذا من غير طلب، بل بفطرة عقل أو حس أو غير ذلك من الوجوه، فقد أحطنا بالقوة علما بأشياء كثيرة. وإذا شاهدنا بالحس بعض تلك الجزئيات من غير طلب، فإنها في الحال تدخل بالفعل تحت العلم الأول. وهذا يحاذي من وجه ما أورد مانن من مثال الآبق حذوا بحذو. فإنا نعلم المطلوب بالتصور أولا كما نعلم الآبق بالتصور أولا، ونعلم ما قبله مما يوصل إلى معرفته بالتصديق، كما نعلم الطريق قبل معرفة مكان العبد الآبق. فإذا سلكنا السبيل إلى المطلوب وكان عندنا منه تصور لذاته سابق، وطريق موصل إليه، فإذا انتهينا إليه فحينئذ نكون أدركنا المطلوب، كما إذا سلكنا السبيل إلى الآبق وكان عندنا منه تصور سابق لذاته وطريق موصل إليه، فإذا انتهينا عرفناه ولو أنا كنا لم نشاهد الآبق البتة، ولكن تصورنا له علامة : كل من يكون على تلك العلامة فهو آبقنا. ثم إذا انضم إلى ذلك علم واقع لا بكسب بل اتفاقا بالمشاهدة، أو واقع بكسب وطلب وامتحان وتعرف، فوجدنا تلك العلامة على عبد، علمنا أنه آبقنا. فتكون العلامة كالحد الأوسط في القياس. واقتناصنا لتلك العلامة في عبد كحصول الصغرى، وعلمنا بأن كل من به تلك العلامة فهو آبقنا، كحصول الكبرى قديما عندنا، ووجدان الآبق كالنتيجة. وهذا الآبق أيضا لم يكن معلوما لنا من كل وجه، وإلا ما كنا نطلبه؛ بل كان معلوما لنا من جهة التصور، مجهولا من جهة المكان. فنحن نطلبه من جهة ما هو مجهول لا من جهة ما هو معلوم. فإذا علمناه وظفرنا به حدث لنا بالطلب علم به لم يكن. وإنما حدث باجتماع سببين للعلم : أحدهما السبيل وسلوكها إليه، والثاني وقوع الحس عليه.

كذلك المطلوبات المجهولة تعرف باجتماع شيئين : أحدهما شيء متقدم عندنا وهو أن كل ب أ وهو نظير السبب الأول في مثال الآبق. والثاني أمر واقع في الحال : وهو معرفتنا أن ج ب بالحس، وهو نظير السبب الثاني في مثال الآبق. وكما أن السببين هناك موجبان لإدراك الآبق، فكذلك السببان هاهنا موجبان لإدراك المطلوب. وليس ما صادر عليه : " أن كل ما لم يعلم من كل وجه فلا يعلم إذا أصيب " بمسلم، بل كل ما جهل من كل وجه فهو الذي لا يعلم إذا أصيب. وأما إذا كان قد علم أمر مضى العلم به فذلك علم بالجزء المطلوب بالقوة وهو كالعلامة له. وإنما يحتاج إلى اقتران شيء به يخرجه إلى الفعل. فكما يقترن به ذلك المخرج إلى الفعل يحصل المطلوب.

Page 403