al-manṭiq
المنطق
ولنود الآن وجوها من الاعتبارات يجب أن تراعى حتى لا يتعذر التحليل. وتلك الاعتبارات في نفس الحدود، وفي نفس الحكم، لا بالقياس إلى النتيجة، ولا أيضا من جهة الدواخل . فمن ذلك ما في نفس الحدود. وذلك أن الحدود ربما لم تكن ألفاظا مفردة؛ بل تكون ألفاظا مركبة، مثلا لا يكون الحد الأصغر: الإنسان، بل الحيوان الناطق المائت؛ فتشوش حينئذ عليك أفراد الحدود، لأنك لا تجدها ثلاثة، بل أكثر؛ ويصعب عليك تمييز بعضها عن بعض. فاجتهد حتى تجد لجملة جملة منها اسما مفردا، فإن لم تجد فعليك أن تضع لجملة جملة منها اسما وفردا. وربما كان الأول أن تبدل اسما مكان اسم، وأن تصلح مثلا مقولا في العبارة. ومن الأمثلة الموردة لهذا ما يجب أن يفهم لا على ما فسره عليه شيخ النصارى، ولا على ما فسره عليه فاضل المتأخرين. قال: إنك إذا أوردت مثلا أن تبرهن، فتجعل الحد الأصغر متساوي الزوايا، والأوسط المثلث، والأكبر متساوي الزوايا لقائمتين،لأنك تحتاج إلى أن تبرهن على المتساوي الزوايا بسبب المثلث، لأن هذا المثلث أولى، أي ليس مقولا عليه بسبب القول على أعم منه، وإن كان بينهما وسط؛ فيكون ما تنبيه وتفهمه، وهو الحد الأكبر، كلاما وقولا لا لفظا مفردا. فكذلك فاعلم أنه ربما كان الأوسط لا لفظا مفردا، لكن مركبا، مثل هذا الأكبر. فإذا طلبت أن تجعل الحد الأوسط مفردا من جملته لم بنحل لك الإشكال. وأن تتأمل حال الألفاظ التي هي أدوات أو كالأدوات وهي التي حقها أن تكون جزءا من جملة المحمول أو الموضوع. فيعرض من الإخلال ما عرض فيما سلف ذكره. مثل قولك: إن علما واحدا موجودا في الأضداد. وإن الخير موجود للحكمة. فإن " في " في الأول جزء من المحمول، لأن معناه: الأضداد فيها علم واحد. وحرف " ا " في الأخرى ليست جزءا من شيء، بل هي حرف دال على الربط. فإذا وجدت شيئا في الحدود من هذا الجنس، فانظر هل هو جزء، فاحتفظه جزءا وأضفه إلى ما هو قرينه، واجعل منهما حدا واحدا، وطرح الآخر، واقلب القضية إلى عبارة لا تحوجك إلى استعمال ذلك. فإنك إذا قلت: الخير موجود للحكمة، احتجت إلى هذا اللام، وإذا قلت الحكمة خير استغنيت عنها، فعلمت أن اللام ليس جزءا من المحمول البتة. فأما إذا قلت: علم واحد في الأضداد؛ ثم قلت: الأضداد فيها علم واحد؛ لم تستغن عن لفظة في، أو لفظة أخرى تقوك مقامها. وقد يتفق أن يكون مثل هذه اللفظة، في الصغرى والكبرى جميعا، دالة على الجزء، كقولك: كل كيفية ففيها تصديق، وكل ما فيه تصديق فاه موضوع، فكل كيفية لها موضوع. وربما اختلف الأمر في المقدمتين، فكان الدال على الجزء في الكبرى والآخر في الصغرى، كقولك: العلم موجود في كل كيفية، والكيفية موجودة في كل بياض. وربما كان بالعكس، كقولك: الخير موجود في العلم، والعلم موجود في كل كيفية. وليس هذا في الإيجاب وحده، بل وفي السلب أيضا، كقولك: ليس في الكون كون، وليس للحركة حركة. فإنك إذا أخذت لفظة " ا " ولفظة " في " دالتين على الحمل، كذبت القضيتان؛ وإن أخذتهما جزئيين من المحمول صدقتا جميعا. فإنك إذا قلت: لا شيء من الكون موجود للكون، والكون موجود في كل لذة، فأخذت اللام في الكبرى جزءا، أنتج من هذا أن اللذة ليس لها كون. وهذا حق، إذ كل لذة كون، والكون ليس له كون. وإذا أخذت دالا على الحمل، لم يصح قولك: إن الكون ليس موجودا للذة، أو ليس محمولا عليها. وكذلك العلامة ليست موجودة للعلامة، والعلامة موجودة للضحك. وكذلك الوقت موجود لله. وزمان يحتاج إليه ليس موجودا لله. وهذه الأشياء تخلصك عنها قول المقدمات على الترتيب المستعمل. فإنه وإن كان وضع الحدود يحوجك أحيانا إلى أن تقول: إن الحيوان على الإنسان، والإنسان على الكاتب. فإن استعمال المقدمات لا يحوجك إليه، فإنك لا تقول في استعمال القياس هذا، لا في الكتب، ولا في المخاطبات، بل تقول: كل كاتب إنسان، وكل إنسان كاتب، وتكون قد تخلصت عن شبهة الزائد على الحدود. وقد يعرض الغلط في الحدود من جهة شرائط هي بالحقيقة أجزاء من الحدود، ولكنها لا يصرح بها، أو يختلف التصريح فيها. فيجب أن يصرح بجميع ذلك، ويحضر بالفعل، ثم تحاول التحليل. مثال ذلك إن قولك: إن غير المتناهي لا يعلم، ليس بالحقيقة صادقا، فإنه إن كان عددا علم من جهة ما هو عدد، وإنما يجهل من جهة أنه غير متناه، وليس أنه غير متناه وأنه عدد معنى واحد، فيجب أن تزيد فيه، وغير المتناهي لا يعلم من جهة ما هو غير متناه، وأما ما يكون كقولك: الإنسان حساس، فلا يحتاج إلى ذلك فيه. واعلم أنه ربما صدق القول مرسلا، فإن زيد شرط كذب. فإنه صادق أن الإنسان حساس، وليس بصادق أن الإنسان حساس للنفس. وربما كذب مرسلا كقولك: إن الإنسان معدوم. فإن قيل: معدوم النظير، صدق. وأما ليس كذلك، فليس شيء يصدق بشرط هو داخل لا مدخول فيه، وإلا هو صادق مرسلا. فإن الشيء إذا كان مملوكا لزيد، فهو مملوك لا محالة. وما كان يميننا لعمرو فهو أيضا يمين. فإن الشيء ما لم يكن له المعنى الأعم لم يكن له المعنى الذي يخصصه. وأما صدق الشيء بسيطا دون المركب، ومركبا دون البسيط، فهذا أمر قد عرفته وتحققت كيفيته. الذي يخصصه. وأما صدق الشيء بسيطا دون المركب، ومركبا دون البسيط، فهذا أمر قد عرفته وتحققت كيفيته.
واعلم أنه قد يعرض لبعض الحدود أن يؤخذ مرارا، فيحسب أن تكراره إنما يكون حيث هو، ولا يكون كذلك، بل يكون مرة واحدة أو في حد مرة جزءا من حد آخر. فإذا كان المكرر هو الحد الأوسط عرض كثيرا أن يكون له ثلاثة مواضع: موضع في الأوسط، وموضع في الأكبر، وموضع في النتيجة. مثاله: العدل خير، وكل خير فإنه يعلم أنه خير، فالعدل يعلم أنه خير. فالخير ههنا يكون مرة حدا أوسط، ومرة أخرى جزءا من الأكبر. وكذلك إذا قيل: إن الخط كذا غير متناه، وكل غير متناه فلا يعلم من جهة ما هو غير متناه، فتكون النتيجة: أن خط كذا لا يعلم مطلقا؛ ولكن من جهة ما هو غير متناه. فإن قال قائل، إن المفهوم قولك: لا يعلم، أعم أيضا من مفهوم قولك: لا يعلم من جهة ما هو غير متناه؛ فيصح أن ينتج عنه: لا يعلم. فنقول،وأيضا قولنا: لا يعلم، أعم من قولنا: لا يعلم ذاته، أولا يعلم خطا، فإذا أنتج: أنه لا يعلم، موقوفا؛ غير مفصل أنه كيف لا يعلم؛ لم يخل من وجهين: إما أن يكون هذا جاريا مجرى الكلم الوجودية، التي لا تصدق إذا حملت، ولا تكذب؛ كقولنا: لا يكون الذي يراد به الربط، ليس كونه في نفسه الذي لا يتم بمفعول واحد، لكن الذي يتم بمفعول واحد؛ حتى يكون أيضا قولنا: لا يعلم، يقتضي أنه ماذا لا لا يعلم نفسه؛ مثل ما يقال أيضا: لا يظن. فيكون ما جعل نتيجة ليست نتيجة إذ ليس فيه صدق ولا خبر. وإما أن يكون محمولا مستقلا بنفسه. فإن كان محمولا مستقلا بنفسه فلا يعتبر في صدقه صدق قولك: إنه لا يعلم خطا، أو كذبه؛ بل معنى أعم منه. كأنه يقول: لا يعلم من وجه ما. لكن القياس ربما لا يكون ذهب إلى هذا، بل نحا نحو تمييز ما؛ أو يكون موضع الكلام يقتضيه. فإذا لم يوضع ذلك أشكل الأمر، وإن كان كله هذا التأويل. وذلك حين لا يكون هذا التأويل مناسبا.
واعلم أنه حيث ما قيل: فهو في المحمول دون الموضوع. فإن قولك: ج كذا، من جهة ما هو ج؛ ليس ج الثانية جزءا من الموضوع، بل من المحمول. ولذلك غلط من قال من الغالطين: إن الموجود من جهة ما هو موجود إما قائم بنفسه، وإما غير قائم بنفسه. ولو كان الموجود من جهة ما هو موجود، هو غير قائم بنفسه لوجب أن يكون كل موجود موصوفا بأنه غير قائم بنفسه. وكذلك إن كان من تلك الجهة قائما بنفسه، وجب أن يكون كل موجود قائما بنفسه، وهذا خلف. ولم يعلم أن القابل للموجبة منهما هو أنه ليس ما أورد، بل هو أنه ليس من جهة ما هو موجود قائما بنفسه.
Page 357