300

قد اشتغلنا إلى هذا الحد بتبيين أن القياس ما هو، وكم ضروبه، وما الفرق بين بسيطة ومركبة. وليس يكمل انتفاعنا بأن نعلم القياس الصحيح من غير الصحيح، إذا لم نعلم كيف نكتسبه ونحصله. وذلك لأنا إذا احتجنا إلى معرفة شيء بالقياس لم يكفنا أن نعلم أن القياس ما هو. ويكو مثلنا كمثل من يعلم أن الدواء النافع لعلة كذا ما هو. وهذا لا يكفيه في شفاء العلة، ما بم يكن يعلم من ذلك طلبة وتحصيله واتخاذه. فإنه إن اتفق أن صادفه معمولا محصلا انتفع به، وإن لم يتفق ذلك بقي متحيرا لا ينفعه علمه بماهيته وكيفيته في حاجته السانحة. فحرى بنا أن نشتغل بتعرف كيفية اكتساب القياس اشتغلا على وجه كلي. أما اكتساب القياس من حيث هو برهاني أوجد لي غير ذلك، فهو أمر أخص من بحثنا هذا ؛ بل كما أن بحثنا إنما هو عن القياس الكلي، لا عن قياس ما معين برهاني أو جدلي؛ كذلك بحثنا عن اكتساب القياس إنما هو عن القياس على الإطلاق، لا عن قياس ما. ولنعبر عن ما أفادنا المعلم الأول في ذلك، وإن كان جميع الصناعة مستفادة منه بقوة أو فعل، فنقول: قد علمنا أن الأمور إما شخصيات، وإما كليات. والشخصيات قد تكون حقيقية موجودة في الشخصيات؛ وإما محمولة على الشخصيات، كهذا الأبيض على زيد، فلا يكون بالحقيقة، وهذا الشيء قد أوضح لك في موضع آخر. وأما الكليات فمنها كليات قريبة من الأشخاص بلا واسطة، ومنها كليات بعيدة عنها ولا عام لها، وإما أمور في الوسط. وكل محمول إما ذاتي وعلى المجري الطبيعي، وإما كائن بالعرض كحمل موضوع على عارضه كالإنسان على الأبيض، أو حمل عارض على عارض آخر يشاركه في الموضوع، الذي هما محمولان عليه الحمل الطبيعي كحمل الأبيض على الموسيقار. وليس كل حمل عرضي إنما يكون من حمل موضوع على عرضيه، بل وقد يكون من حمل موضوع على ذاتية المقوم الأعم، كما يحمل الإنسان على الحيوان، وزيد على الإنسان، وذلك في القضايا المحصورة الجزئية. لكن الأمر الذي هو في نفس واجب، بحسب طبائع الأمور من غير اعتبار عارض من خارج، هو أن يكون الأخص موضوعا لأعم، وأن يكون الأمر موضوعا لخواصه العارضة، لا بالعكس. والمحمولات التي تحمل بالطبع على شيء واحد يتبين من حالها أنها متناهية، سواء أخذت محمولات حقيقية أو مشهورة. فإن كثيرا مما لا يحمل بالحقيقة حملا ذاتيا يكون مشهورا أنه محمول ذاتي. وربما كان لا عام فوقه بالحقيقة، ويكون في المشهور أن له عاما فوقه. وبين أعم العوام وأخص الخواص أمور، إنما أكثر الكلام فيها وأكثر البحث عنها. فإذا أردت أن تكتسب القياس، فضع الحدين واطلب حد كل واحد منها وخاصيته، وكل ما يلحق كل واحد منهما، أعني الحدين من الأجناس وأجناسها، والفصول وأجناسها وفصولها والعوارض لها، ولشيء من مقوماتها وفيها أجناس وعوارض وفصول عوارضها أو عوارض عوارضها، وبالجملة لواحق اللواحق، فإنها عوارض أيضا. وكذلك تطلب ما يلحقه كل واحد من الحدين مما نسبة الحد إليه النسبة المذكورة، وما يلحقه ما يلحقه. فهذه مواد طلب الإيجاب. وأما مواد السلب، فاطلب أيضا الأمور التي لا يوجد لها ضرورة أو إطلاقا الحد حد منها. ولا تشتغل بطلب ما لا يلحقه حد حد، فإن ما لا يلحق هو النفس ما لا يلحق، وأما ما يلحق فليس هو ما يلحق. فإن الموضوعات التي على المجرى الطبيعي، تمايز المحمولات التي على المجرى الطبيعي، وإن دخل بعضها في بعض، إذا كانت على غير المجرى الطبيعي، كما قد علمت. فإذا حصلت ذلك فعند ذلك تتأمل حال كونها ذلك حقيقة أو مشهورة. واعلم أنك كلما كنت أمعنت في الاستكثار من هذه اللواحق والملحوقات وما لا يلحق، فأنت أقرب إلى إصابة الغرض. واللواحق التي تلحق غير الملحوق الكلي، مما لا ينتفع به أكثر الأمر؛ بل عليك باقتناص الكليات. وكذلك في الملحوقات، وفيما لا يلحق. واعلم أن القياس إنما يحصل لك من الكليات. وليس اللاحق الكلي ما يلحق بكليته للموضع، بل ما يلحق كلية الموضوع؛ وقد استبنت هذا فيما سلف. وكما لا يفيد اشتغالك بتأمل ما لا يلحقه الموضوع، أعني مثل هذا الملحوق الكلي، كذلك لا يفيد اشتغالك بتأمل ما يلحق اللاحق، هل هو لاحق للموضوع، فإن لاحق اللاحق لاحق. وكذلك لا يفيد اشتغالك بتأمل ملحوق الملحوق، هل هو ملحوق اللاحق؟ وكذلك لا يفيد اشتغالك بتأمل شيء، هل يلحق الطرفين جميعا أو هل لا يلحق الطرفين جميعا. إذ قد علمت أن ذلك لا يفيد، إلا أن لا تجعل نظرك من حيث لحوقه ومن حيث لا لحوقه، بل من حيث كيفية اختلاف لحوقه في الضرورة وغير الضرورة. فذلك مفيد جدا في اشتغالك به، على رأينا خاصة الذي سنذكره، إن تذكرته. ولا يفيد أيضا أن تنظر، هل في موضوعات المحمول ما لا يلحق الموضوع، فإن ذلك لا ينعقد عنه القياس. ويجب أن تتأمل حال اللحوق الضروري، والممكن والذي هو دائم، أو أكثري. فإن كان مطلوب ينتج مما يجانسه، فإذا كان مطلوبك موجبا، وهو كلي، طلبت في لواحق الموضوع شيئا هو من ملحوقات المحمول. فقد انعقد قياس. فإن كان جزئيا، فاطلب في ملحوقات كل واحد من الطرفين، فإذا وجدت مشتركا، انعقد لك قياس من الشكل الثالث ينتج النتيجة؛ ولكن وجدت في ملحوقات أحدهما لاحقا للآخر كله أو بعضه أفادك ذلك. وإن كان المطلوب سالبا؛ فاطلب لواحق أحد الحدين، هل فيها شيء في الجملة ما لا يلحق الآخر؟ فإن صادفت انعقد لك قياس من الشكل الثاني. وإن كان جزئيا طلبت هل في ملحوق أحدهما ما لا يلحقه الآخر، فإن وجدت انعقد لك قياس. وإذا تدربت في هذا، علمت غناء الحد الأوسط،وأنه هو الذي يخلق القياس. وإذا امتحنت حال ما يلحق وما لا يلحق، فابتدئ من اعم لواحق أحدهما، هل هو مما لا يلحق؟ فإنك إن وجدت ذلك غير لاحق كفيت المؤونة، وعلمت أن ما دونه غير لاحق؛ فإن لم تجده كذلك، بل وجدته لاحقا فانزل عنه درجة، يبتدئ مما هو أعم، وتتدرج عنه على الولاء. فإن في ذلك سرعة الإصابة، ومصادفة القياس الأول. فإن السلب الناطق عن البياض ليس سلبا أوليا، بل سلب الجسم أو الجوهر. فإذا كنت في طلب هذا الامتحان، فلا يكون قصارى طلبك أنه هل في لواحق أحد الحدين شيء مضاد للواحق الحد الآخر أو مغاير، حتى تقول مثلا: إن ج بارد وا حار، أو نقول: إن ج سماء وا أرض؛ وذلك لأن الحد الأوسط يجب أن يكون شيئا واحدا، وأما ههنا فإن الأوسط اثنان. وذلك يضطرك إلى أن تجعل ما يمكنك ترتيبه قياسا واحدا، وأكثر من قياس واحد. وذلك لأنه ليس إنما يصير حينئذ ا، ومنسوبا عن ج، بسبب كونه وصوفا بشيء هو ضد ما يوصف به ذلك، حتى يكون هذا هو الذي لأجله منعقد القياس المنتج للسلب. فإنه لو صار بدل الضد مضاف، أو عدم، أو ملكة، أو غيرية أخرى، لكان القياس ينعقد. لكن السبب الأول فيه كوزن شيء مما هو لاحق لج، غير لاحق ل ا، أو بالعكس. فالبارد إذا لحق ج، كان قياسه إلى ا قياسين: أحدهما، أنه غير لاحق له، والآخر أنه ضد لاحقه، وإنما ينعقد منه القياس لأنه غير لاحق فقط. فإنك إن حفظت: كونه غير لاحق، وبدلت: كونه مضادا للاحق، استمر القياس المطلوب. فإن أمكن أن تحفظ: كزنه ضدا، وتتوهم: أنه لاحق مثلا، حتى تجعل الأضداد قد تلتحق بالشيء الواحد، لما كان ينعقد عنه القياس. وهذا يحوجك إلى أن تتكلف طلبين. فإنك إذا وجدت البارد يلحق ج، ونظرت هل يلحق البارد ا أو لا يلحقه، فوجدته في جملة ما لا يلحق ا، كفيت المؤمنة. فأما إذا استأنفت الطلب بعد حصول الأرب، فأخذت تبحث هل في لواحق آضد له، فإنما تبحث بحثا خارجا عن الغرض، اللهم إن تطلب قياسا آخر.د لك قياس من الشكل الثاني. وإن كان جزئيا طلبت هل في ملحوق أحدهما ما لا يلحقه الآخر، فإن وجدت انعقد لك قياس. وإذا تدربت في هذا، علمت غناء الحد الأوسط،وأنه هو الذي يخلق القياس. وإذا امتحنت حال ما يلحق وما لا يلحق، فابتدئ من اعم لواحق أحدهما، هل هو مما لا يلحق؟ فإنك إن وجدت ذلك غير لاحق كفيت المؤونة، وعلمت أن ما دونه غير لاحق؛ فإن لم تجده كذلك، بل وجدته لاحقا فانزل عنه درجة، يبتدئ مما هو أعم، وتتدرج عنه على الولاء. فإن في ذلك سرعة الإصابة، ومصادفة القياس الأول. فإن السلب الناطق عن البياض ليس سلبا أوليا، بل سلب الجسم أو الجوهر. فإذا كنت في طلب هذا الامتحان، فلا يكون قصارى طلبك أنه هل في لواحق أحد الحدين شيء مضاد للواحق الحد الآخر أو مغاير، حتى تقول مثلا: إن ج بارد وا حار، أو نقول: إن ج سماء وا أرض؛ وذلك لأن الحد الأوسط يجب أن يكون شيئا واحدا، وأما ههنا فإن الأوسط اثنان. وذلك يضطرك إلى أن تجعل ما يمكنك ترتيبه قياسا واحدا، وأكثر من قياس واحد. وذلك لأنه ليس إنما يصير حينئذ ا، ومنسوبا عن ج، بسبب كونه وصوفا بشيء هو ضد ما يوصف به ذلك، حتى يكون هذا هو الذي لأجله منعقد القياس المنتج للسلب. فإنه لو صار بدل الضد مضاف، أو عدم، أو ملكة، أو غيرية أخرى، لكان القياس ينعقد. لكن السبب الأول فيه كوزن شيء مما هو لاحق لج، غير لاحق ل ا، أو بالعكس. فالبارد إذا لحق ج، كان قياسه إلى ا قياسين: أحدهما، أنه غير لاحق له، والآخر أنه ضد لاحقه، وإنما ينعقد منه القياس لأنه غير لاحق فقط. فإنك إن حفظت: كونه غير لاحق، وبدلت: كونه مضادا للاحق، استمر القياس المطلوب. فإن أمكن أن تحفظ: كزنه ضدا، وتتوهم: أنه لاحق مثلا، حتى تجعل الأضداد قد تلتحق بالشيء الواحد، لما كان ينعقد عنه القياس. وهذا يحوجك إلى أن تتكلف طلبين. فإنك إذا وجدت البارد يلحق ج، ونظرت هل يلحق البارد ا أو لا يلحقه، فوجدته في جملة ما لا يلحق ا، كفيت المؤمنة. فأما إذا استأنفت الطلب بعد حصول الأرب، فأخذت تبحث هل في لواحق آضد له، فإنما تبحث بحثا خارجا عن الغرض، اللهم إن تطلب قياسا آخر.طلب قياسا آخر.

وبالحقيقية إن وجدت هذين، فلم تجد قياسا واحدا، بل قياسين. فإنك في استعمالها كأنك تقول: ج بارد، وا ليس ببارد، وج ليس بحار وا حار. والخلف أيضا قد يكتسب بهذا النحو. وذلك لأنك إذا تتبعت لواحق وملحوقات حدود النقيض وما لا يلحقه، فوجدت فيها ما ينعقد به مع أحد طرفيه مقدمة صادقة، ينتج مع النقيض محالا، كنت قست قياس الخلف وكيف لا ينتفع بهذا الاعتبار، وكل خلف كما سيتضح لك، فإنه يرجع إلى المستقيم بوجه من الوجوه؟ وكذلك يمكنك أيضا أن تكتسب من هذا المأخذ ما يفتقر إليه الشرطي الاستثنائي، على ما علمت. ويمكنك بهذا الوجه أن تكتسب الاستقراء أيضا، وذلك إذا ما تأملت موضوعات الموضوع. وإذا وجدت في اللواحق ما يدل على المساواة، أمكنك أن تكتسب قياسا كليا، من حيث كنت تكتسب الجزئي بقوة الانعكاس. وهذه المساواة في الإيجاب، هو أن يكون الإيجاب على الموضوع فقط، وفي السلب أن يكون السلب عنه فقط، ويجب أن تتأمل في جميع ذلك، هل هو على سبيل الاضطرار أو على سبيل الإمكان؟ وأما الطلق، فإن عينته بشرط أن لا يكون دائما، وجدته من مادة الممكن؛ وإن أخذته عاما فأيهما وجدته صح لك مطلقا، فلا يحتاج أن تبحث عنه بحثا خاصا. فإن قال قائل: كيف يمكننا أن نجعل ما يمكن مطلقا كليا. فإنا نجد الكتابة ممكنة للإنسان، ثم لا نقول: كل إنسان كاتب. فنقول: إنا قد أوصيناك أن تأخذ اللواحق الكلية، والملحوقات الكلية، فذلك هو المقدم، فإذا شئت أن تعتبر الإمكان والضرورة، فبالأحرى أن تعتبرها بعد ذلك. واللاحق للكل إذا كان غير دائم ولا ضروري، فهو ممكن ومطلق على ما علمت. وبان لك هناك، أن هذه المطلقات موجودة، وإن كانت القضية المؤلفة من الإنسان والكاتب ليس من جملتها. فإذن كان اشتغالك باعتبار الضرورة واللا ضرورة، ووجدت الإمكان من اللحوق الكلي، وكان مرادك بالمطلق ما ليس بضروري، فقد وجدت. وإن كان مرادك المطلق الأعم، وهو الأصوب أن يكون مرادك، فأيهما وجدته المطلق. فبحثك حينئذ عن الشيء، هل هو المطلق، محال. وكما أن السلب والحمل قد يكون بالحقيقة، وقد يكون بالشهرة؛ فكذلك الضرورة واللا ضرورة قد تكون بالحقيقة، وقد تكون بالشهرة. والمشهور أيضا، منه ما هو مشهور في بادئ الرأي. فأنت من حيث تكتسب القياس المطلق يجب أن تميز جميع ذلك، ويجب أن تعلم أن لكل صناعة مقدمات خاصة. فتكون اللواحق والملحوقات وما لا يلحق، إنما يطلب بحسب تأمل تلك الصناعة. فإن إدراكها بالحيلة المشتركة إدراك يسير. وكثير منها يحصل بالتجربة، وكثير منها بالاستقراء وستعلم الفرق بينهما.

فهذه إشارة إلى اكتساب القياس. وأما نقيضها فحيث يتكلم في صناعة الجدل.

ولقائل أن يقول: إن كانت هذه الجملة بازاء ذلك التفضيل، فإذن هذا بحث عن اكتساب القياس بنحو غير كلي، بل بنحو مطابق للبحث الجدلي.

Page 344