287

وأما المنفصلات الحقيقية الكثيرة الجزاء. فإما أن تكون أجزاؤها التي تتم بها متناهية في القوة والفعل، فحكمها حكم ما سلف. مثاله، إذا قلت: إن هذا العدد إما زائد، وإما مساو؛ فاستثنيت عين أيها شئت، نتجت نقيض جميع ما بقي. وهذا النقيض يفهم على وجهين: أحدهما أن تكون النتيجة ليس نتيجة واحدة، بل نتيجتان في هذا المثال، ونتائج كثيرة في مثال: إن كان أكثر من هذا أجزاء، مثاله فيما مثلنا به. فليس إذن زائدا، ولا ناقصا. وهذا القول في الحقيقية نتيجتان. والوجه الثاني أن ينتج نقيض المنفصلة التي تتم من الباقيتين، وهو أنه: فليس إما زائد وإما ناقص. ولقائل الآن أن يتشكك فيقول: إن هذا لا يكون قياسا، وذلك لأنك إن جعلت إنتاجه على سبيل إنتاج نتيجتين أو نتائج، كان عين قياس واحد نتيجتان، أو اكثر من اثنتين معا، كلاهما بالذات ليس أحدهما قبل الآخر ولا بعده. وإن جعلت إنتاجه على سبيل الوجه الآخر، أنتج الكذب. فإنه ليس حقا أن هذا العدد لا يكون غما زائدا، وإما ناقصا. فإن كونه مساويا، إنما يمنع كونه ناقصا، ويمنع كونه زائدا. وإما أن يكون هذا، وإما ذاك، وإما شيئا آخر، فليس استثناء بمانع إياه، ولا هو نقيض ما استثنيت، فإن الحملية لا تناقض لمنفصلة. فنقول في جواب هذا: أما أو لا، فلم يكن في الشرط القياس منه ينبغي أن لا ينتج نتيجتين البتة، بل كان من شرطه أن ينتج نتيجة واحدة. وليس يمنع كونه منتجا نتيجتين أن يكون أيضا قد أنتج نتيجة واحدة. وأما ثانيا، فإن هذا أيضا إن أردت حقيقة فإنما ينتج نتيجتين من حيث هو بالقوة قياسان، وذلك لأن المفصلات كلها إنما تنتج هذه الحمليات الكثيرة بقوة مقدمات أخرى. كأنك إذا قلت: لكنه مساو، تحتاج أن تذكر في نفسك مقدمة أخرى، وهي: إن ما هو مساو، فليس بزائد. فتنتج إحدى النتيجتين. وأيضا ما هو مساو، ليس بناقص. فتنتج حينئذ النتيجة الأخرى. وهذا شيء، وإن أسقطت ذكره لفظا وقولا، فإنك لا محالة تقوله في الذهن إذ لا بد لك من أن يخطر هذا في باللك. إذ لو قال لك قائل: ولم يجب أن يكون ناقصا أو زائدا؛ قلت: إنه مساو، وكل مساو فليس بناقص أو ليس بزائد. فتكون حينئذ حللت القول إلى المبادئ. وكذلك لو لم تشكك، فأنت تضمر هذا في نفسك. وما لم يلتفت إليه ذهنك لا يستبين لك صدق الإنتاج. فبالحقيقية إنما يتم الإنتاج من المقدمة المنفصلة باستعمال قياس آخر اقتراني، يكون جميع ذلك هو المتأدي إلى الإنتاج. فيكون بالحقيقة ما يتأدى إلى إنتاج أنه ليس بزائد، فيلتفت فيه إلى تأليف غير التأليف الذي يلتفت إليه في إنتاج: إنه ليس بناقص بعد ذلك. وههنا أشياء من حقها أن تقال في اللواحق. فهذا واحد. وأيضا، فإن قولنا: ليس إما زائدا، وإما ناقصا، وهو قول حق، ونقيضه باطل. وذلك لأن قولك: ليس إما، يضمر فيه: فليس هذا الذي هو مساو إما كذا، وإما كذا. وحق أن يقال: إن هذا الذي هو مساو ليس إما زائدا، وإما ناقصا؛ وذلك لأن هذا مساو. وليس البتة مساوي إما أن يكون ناقصا، وإما أن يكون زائدا. ينتج: فهذا ليس زادا، وإما ناقصا. وأما صدق الكبرى، فهو أنها إن لم تصدق صدق نقيضها. فكان بعض ما هو مساو وإما زائد، وإما ناقص. ومعنى هذا أن بعض ما هو مساو لا يخرج الحق من أحد القسمين: إما أن يكون زائدا، وإما أن يكون ناقصا. وهذا كذب صراح. وقد عرفت هذا القانون فيما سلف، فلا بأس أن تكون النتيجة الذاتية الحقيقية هذه. ثم يلزم هذه النتيجة، النتيجتان، لا عنها وجدها. فإنه ليس إذا قيل: إن آ ليس إما ب، وإما ج. يلزم أنه لا يكون لا ب، ولا ج. فإنك إذا قلت: زيد ليس إما إنسانا، وإما ناطقا؛ لم يلزم منه أنه ليس بإنسان ولا ناطقا؛ بل إنما تلزم نتيجتان، لاعتبار آخر ينعقد مع هذا في الذهن، وهو أنه يعتقد في الذهن أن هذا ليس إما زائدا، وإما ناقصا، بل هو أمر خارج عنهما. وكلما كان كذلك فليس هو أحدهما. فهذا هو القول في استثناء العين.

وأما من استثناء النقيض، فإنك إذا استثنيت نقيض أيهما كان، أنتج عين الباقية على حالها منفصلة. مثلا إذا قلت: لكنه ليس بمساو أنتج لك هذا: فهو إما زائد، وإما ناقص. وهي النتيجة القريبة. ثم إذا استؤنف إنشاء قياس من هذه النتيجة، ومن استثناء نقيض بعض أجزائها، فهنالك يتأدى إلى أن ينتج عين واحد منها بعينه، وتكون كثرة القياسات بحسب كثرة الأجزاء. فهذا إذن لا يخالف ما يكون من جزأين. والجامع بينهما أن استثناء العين من كل واحد منهما، ينتج نقيض الباقي على حاله إن كان جزاءا أو جزاء. واستثناء النقيض ينتج عين الباقي على حاله كان جزءا أو أجزاء. وأما إ كانت الأجزاء غير متناهية في القوة، فليس ينتفع بالاستثناء من مثل هذه الشرطية بوجه من الوجوه في أن يكون عنه قياس، ولا استحسن اشتغال من اشتغل باعتبار إنتاجه. وذلك لأن استثناء إن كان غير أحد الأجزاء لم تكن له نتيجة لأن البواقي لاتحد، حتى تقال نقائضها، أو تؤلف منها منفصلة سابة. اللهم إن أن تكون النتيجة: فليس شيئا مما عدا المستثنى. فتكون هذه النتيجة نتيجة عن قياس ذي جزأين. كأن قال: إنه إما أن يكون العدد اثنين، أو ما عدا الاثنين، لكنه اثنان، فليس ما عدا الاثنين. وكذلك عن كان الاستثناء نقيض بعضها، فينتج أيضا شيئا غير محدود، لا يمكن أن ينطق به إلا أن يقال: فهو شيء من باقي ما بعده. وهذا أيضا يكون بالحقيقية عن قياس مبني على منفصلة ذات جزأين، كأنه يقول: إما أن يكون اثنين أو شيئا مما بعد الاثنين. ثم الفائدة المحصلة في الاستثناء من المنفصلات هي استتمام القياسات المترادفة بالاستثناءات المتوالية منتهية إلى قسم واحد ونتيجة واحدة، وهذا مما لا سبيل إليه في استعمال القياس الاستثنائي من منفصلات ذوات أجزاء لا نهاية لها. فهذا هو القياس الاستثنائي من مقدمات منفصلة حقيقية.

Page 327